رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٠٦
يصف فيها أوضاع العرب قبل البعثة وما أنجزه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد البعثة حتّى أنزل الناس منزلتهم السامية وبلغهم منجاتهم، فاستقامت قناتهم، واطمأنت صفاتهم، ومع هذا التغيير الشامل، كيف يمكن رمي النبي بالإخفاق في دعوته؟ بل لا شكّ في نجاحه في ميدان الدعوة والتبليغ.
لكن ثمة نكتة نلفت إليها نظر القارئ الكريم، وهي انّ معنى نجاح دعوته شيء، وعدالة كلّ من رآه أو سمع منه شيئاً أو صحبه يوماً أو أيّاماً أو سنة أو سنتين شيء آخر، إذ لا ملازمة بين نجاح الدعوة وعدالة من صحبه ، فالمراد من نجاحه هو تأثيرها في أُمم العالم، معاصرة كانت أم لاحقة، ولاريب في أنّ الدعوة المحمدية أثرت في أُمم العالم وشعوبها وأصحابه والتابعين لهم بإحسان حتّى المنافقين من أصحابه، وهم ـ أي أصحابه ـ قد أخذوا منه كلٌّ حسب قابليته واستعداده; فقد بلغت عدّة من أصحابه إلى القمة، كعلي بن أبي طالب، وسلمان، وأبي ذر، والمقداد، وخزيمة بن ثابت، إلى غير ذلك من أصحابه الكرام; كما بلغت عدّة منهم درجة متوسطة في الإيمان والعمل، في حين أخلدت عدّة أُخرى إلى الأرض، وأخفقت في كلا المجالين، ومَن قرأ تاريخ الصحابة يعلم أنّهم لم يكونوا على مستوى واحد في الإيمان والعمل.
إنّ فضيلة الشيخ صالح بن عبد اللّه الدرويش ـ حفظه اللّه ـ من المتحمّسين لعدالة كلّ الصحابة ، فيتصور انّ نقد حياة بعض الصحابة بمعنى جرح الكلّ تغافلاً عن أنّ الصحابة كالتابعين، فكما أنّ جرح بعض التابعين لا يعني جرحهم جميعاً، فهكذا جرح بعض الصحابة.
والعجب أنّ الشيخ ـ حفظه اللّه ـ يتمسّك في إثبات ما يتبنّاه بالعواطف دون البرهان ويقول: