رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٨٨
لأحد أن يبحث في ممارسات الصحابة وسلوكياتهم، ولا أن يشير إلى مواضع الألم في تاريخ تلك الحُقبة، حتّى روى الخطيب بسنده إلى أبي زرعة الرازي، قال: إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول اللّه فاعلم أنّه زنديق، وذلك أنّ الرسول حقّ والقرآن حقّ وما جاء به حقّ وانّما أدى إلينا ذلك كلّه، الصحابة، وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنّة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة.[١]
وقد عزب عن الرجل انّ الغاية ليست هي تنقيص الصحابة وإنّما هي التأكد من عدالة مَنْ نأخذ ديننا عنهم، فلو قام الرجل بالتحقيق في حياة الصحابة وتحمّل العبء الثقيل فإنّما هو لفرط الاحتياط في أخذ معالم الدين، ولو قال أبو زرعة ـ مكان قوله الآنف ـ هذا القول: إذا رأيت الرجل يتفحّص عن أحد أصحاب الرسول لغاية العلم بصدقه أو كذبه، أو خيره أو شره، حتّى يأخذ دينه عن الخيرة الصادقين، ويحترز عن الآخرين، فاعلم أنّه من جملة المحقّقين في الدين والمتحرّين للحقيقة، لكان حقّاً متعيّناً.
ومن غير الصحيح أن يتهم العالم أحداً، يريد التثبّت في أُمور الدين، والتحقيق في مطالب الشريعة بالزندقة، وأنّه يريد جرح شهود المسلمين لإبطال الكتاب والسنّة، وما شهود المسلمين إلاّ الآلاف المؤلّفة من أصحابه(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فلا يضرّ بالكتاب والسنّة جرح لفيف منهم وتعديل قسم منهم، وليس الدين القيم قائماً بهذا الصنف من المجروحين، «ما هكذا تورد يا سعد الإبل»!!
إنّ هذه النظرية تكوّنت ونشأت من العاطفة الدينية التي حملها المسلمون تجاه الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)وجرّتهم إلى تبنّي تلك الفكرة، وقد قيل: «من عشق شيئاً،
[١] الإصابة:١/١٧.