رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٦٥
يجيزون ذلك إلاّ فيمن كثرت صحبته لا على من لقيه ساعة أو مشى معه خطى، أو سمع منه حديثاً، فوجب ذلك أن لا يجري هذا الاسم على من هذه حاله، ومع هذا فإنّ خبر الثقة الأمين عنه مقبول و معمول به وإن لم تطل صحبته ولا سمع عنه إلاّ حديثاً واحداً.
٦. وقال صاحب الغوالي: لا يطلق اسم الصحبة إلاّ على من صحبه ثمّ يكفي في الاسم من حيث الوضع، الصحبة ولو ساعة ولكن العرف يخصصه بمن كثرت صحبته.
قال الجزري بعد ذكر هذه النقول، قلت: وأصحاب رسول اللّه على ما شرطوه كثيرون، فإنّ رسول اللّه شهد حنيناً ومعه اثنا عشر ألف سوى الأتباع والنساء، وجاء إليه«هوازن» مسلمين فاستنقذوا حريمهم وأولادهم، وترك مكة مملوءة ناساً وكذلك المدينة أيضاً، وكلّ من اجتاز به من قبائل العرب كانوا مسلمين فهؤلاء كلّهم لهم صحبة، وقد شهد معه تبوك من الخلق الكثير ما لا يحصيهم ديوان، وكذلك حجة الوداع، وكلّهم له صحبة.[١]
إنّ التوسع في مفهوم الصحابي على الوجه الذي عرفته في كلماتهم ممّا لا تساعد عليه اللغة والعرف العام، فإنّ صحابة الرجل عبارة عن جماعة تكون لهم خلطةومعاشرة معه مدّة مديدة، فلا تصدق على من ليس له حظ إلاّالرؤية من بعيد، أو سماع الكلام أو المكالمة أو المحادثة فترة يسيرة، أو الإقامة معه زمناً قليلاً.
وأظن أنّ في هذا التبسيط والتوسّع غاية سياسية، لما سيوافيك أنّ النبي قد تنبّأ بارتداد ثلّة من أصحابه بعد رحلته فأرادوا بهذا التبسيط، صرف هذه النصوص إلى الأعراب وأهل البوادي، الذين لم يكن لهم حظ من الصحبة إلاّ لقاء قصيراً،
[١] أُسد الغابة:١/١١ـ١٢، طبع مصر.