رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٥٧
ولنمثل لإعمال الترجيح مثالاً يوضح المقصود:
قد أصبح تشريح بدن الإنسان في المختبرات من الضروريات الحيوية التي يتوقّف عليها نظام الطب الحديث، فلا يتسنّى تعلم الطب إلاّ بالتشريح والاطّلاع على خفايا أجهزة الجسم وأمراضها.
غير أنّ هذه المصلحة تصادمها، مصلحة احترام المؤمن حيّهِ وميّتهِ، إلى حدّ أوجب الشارع، الإسراع في تغسيله وتكفينه وتجهيزه للدفن، ولا يجوز نبش قبره إذا دفن، ولا يجوز التمثيل به وتقطيع أعضائه، بل هو من المحرّمات الكبيرة، والذي لم يجوّزه الشارع حتى بالنسبة إلى الكلب العقور، غير أنّ عناية الشارع بالصحّة العامّة وتقدّم العلوم جعلته يسوّغ ممارسة هذا العمل لتلك الغاية، مقدّماً بدن الكافر على المسلم، والمسلم غير المعروف على المعروف منه، وهكذا....
٦. تقسيم حالات المكلّف إلى أقسام
إنّ تقسيم حالات المكلّف إلى أقسام ثلاثة ـ أعني: كونه قاطعاً بالحكم، أو ظانّاً، أو شاكّاً فيه ـ تقسيم طبيعي في مورد الحكم الشرعي، بل بالنسبة إلى كلّ شيء يفكر الإنسان فيه ويلتفت إليه فهو بين قاطع وظان وشاك.
لا شكّ أنّ القاطع يعمل بقطعه ولا يمكن نهيه عن العمل بالقطع، لأنّه يرى نفسه مصيباً للواقع، إنّما الكلام في الشقين الأخيرين، فالإمامية لا يعتقدون بحجّية الظنون في مورد استنباط الأحكام إلاّ ما قام الدليل القطعي على حجّيته، ويستدلّون على ذلك بأنّ الشكّ في حجّية الظن يوجب القطع بعدم الحجّية، ولعلّ بعض الناس يتلقاه لُغزاً، إذ كيف يتولّد من الظن بالحجّية، القطع بعدمها، ولكنّه تظهر صحته بأدنى تأمّل، وذلك لأنّ المراد من الظن هو الظن