رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٣٨
المسيحية ورفض العقل في مجال العقائد
بالرغم من إيماننا بأنّ شريعة المسيح من الشرائع السماوية، ولها من المزايا ما لسائر الشرائع،إلاّ أنّنا نرى أنّ رجال الدين المسيحيين قد رفضوا العقل في مجال العقائد واستغنوا بالإلهام والإشراق ، فاعتقدوا بالتثليث وأنّه سبحانه واحد وفي الوقت نفسه ثلاثة، فجمعوا بين الوحدة والكثرة الحقيقيين، مع أنّ بداهة العقل تحكم بأنّ الشيء إمّا واحد وليس بكثير أو كثير ليس بواحد. فإذا سئلوا عن هذا التناقض أجابوا بأنّ التثليث وما شابهه، من العقائد التي لا يُدرَك كنهُها بالعقل والبرهان وإنّما يجب الإيمان بها.
وبذلك أوجدوا فاصلاً كبيراً بين العقل والدين أو بين العلم والدين، ورفعوا راية التضاد بين هذين المبدأين، مع أنّ خاتم الشرائع ـ القرآن الكريم ـ يؤكد على تلازمهما وعدم انفكاكهما، ويقول:(وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ).[١]
نعم الدعوة إلى العقل والتفكير ليس بمعنى رفض سائر الطرق إلى معرفة اللّه سبحانه كالإلهام والإشراق، فإنّ الفتوحات الباطنية من المكاشفات والمشاهدات الروحية والإلقاءات في الروع غير مسدودة بنص الكتاب العزيز:
١. قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللّهَ يَجْعَل لَكُمْ فُرْقَاناً)[٢]، أي يجعل في قلوبكم نوراً تفرّقون به بين الحق والباطل وتميّزون به بين الصحيح والزائف، لا بالبرهنة والاستدلال، بل بالشهود والمكاشفة.
[١] الروم:٥٦. [٢] الأنفال:٢٩.