رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣١٠
الأفعال وقبحها، ولا يتوقّف دركه على تعلق الأمر والنهي من الشارع بشيء حتّى يستدل بالأمر على حسن المتعلّق وبالنهي على قبحه، وذلك لأنّ اللّه سبحانه خلق الإنسان على فطرة خاصة حيث ألهمه سبحانه قبل أن يتدين بدين، حسن الأفعال وقبحها، فقال سبحانه: (فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها).[١]
وأوضح دليل على أنّ الإنسان يعرف حسن الأفعال وقبحها قبل الشرع هو قوله سبحانه: (وإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِها قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلى اللّهِ مَا لا تَعْلَمُون* قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ).[٢]
وقال تعالى: (قُلْ إِنّما حَرَّمَ رَبّي الْفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْها وَمَا بَطَنَ).[٣]
فالآيتان الأُولى والثالثة تدلان بوضوح على أنّ الفاحشة صارت متعلّقة للنهي لكونها بذاتها فاحشة، لا أنّها صارت فاحشة لأجل النهي، ونظير ذلك قوله: (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ) فهو ظاهر في أنّ القسط يتميز عن ضده بذاته، قبل أن يتعلّق حكم من الشرع به.
ويؤيد ذلك قوله سبحانه: (فَبِظُلْم مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّبات أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبيلِ اللّهِ كَثيراً).[٤]
قال ابن قيّم الجوزية: والقرآن مملوء من أوّله إلى آخره بذكر حِكَم الخلق، والأمر ومصالحهما ومنافعهما وما تضمّناه من الآيات الشاهدة الدالّة عليه، ولا يمكن من له أدنى اطّلاع على معاني القرآن، إنكار ذلك. وهل جعل اللّه سبحانه
[١] الشمس:٨. [٢] الأعراف:٢٨و ٢٩. [٣] الأعراف:٣٣. [٤] النساء:١٦٠.