رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٠٠
إذا كان الدرك بمعنى اللحوق والوصول، فدرك كلّ شيء ووصوله بحسبه، فالإدراك بالبصر، التحاق من الرائي بالمرئي بالبصر، والإدراك بالمشي كما في قول ابن منظور: مشيت حتى أدركته، التحاق الماشي المتأخّر بالمتقدّم بالمشي، وهكذا.
فإذا قال سبحانه: (لا تدركه الأبصار) يتعين ذلك المعنى الكلّي، أي اللحوق والوصول بالرؤية، ويكون المعنى أنّ الأبصار لا تلحق باللّه بالرؤية، فإنّ لحوق البصر يتحقّق عن طريق الرؤية، وهذا الوصف:(لا تُدْرِكُهُ الأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصار)ممّا تفرّد به سبحانه.
إنّ القرآن الكريم كلّما يطرح مسألة الرؤية يطرحها بشكل يؤكّد فيه عجز الإنسان عن نيلها ويعتبر سؤالها وتمنّيها أمراً فظيعاً وقبيحاً وتطلّعاً إلى أمر هو دونه.
١. قال سبحانه: (وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُون) .[١]
٢. (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ).[٢]
إلى غير ذلك من الآيات التي تندّد بالإنسان المتمنّي رؤيته سبحانه، وعندما طلب موسى رؤيته سبحانه ـ و ذلك بعد إصرار من قومه لتقوم رؤيته مكان رؤية القوم ـ خوطب بقوله تعالى: (لَنْ تَراني وَلكِنِ انْظُرْ إِلى الجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَراني).[٣]
[١] البقرة:٥٥. [٢] النساء:١٥٣. [٣] الأعراف:١٤٣.