رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٧١
القرآن في صفحة واحدة كما عليه بعض؟[١]، فلو كان هذا المراد، لكان عليه أن يأمرهم بفصل الحديث عن القرآن في الكتابة لا إحراق الحديث ولا النهي عن بثّه بين الناس.
وقد سعى الخطيب البغدادي في تبيين هذا الوجه، فقال:
قد ثبت أنّ كراهة من كره الكتاب من الصدر الأوّل، إنّما هي لئلاّ يضاهي بكتاب اللّه غيره، أو يشتغل عن القرآن بسواه، ـ إلى أن قال: ـ ونُهي عن كتب العلم في صدر الإسلام وجدَّته لقلّة الفقهاء في ذلك الوقت، والمميّزين بين الوحي وغيره، لأنّ أكثر الأعراب لم يكونوا فقهوا في الدين، ولا جالسوا العلماء العارفين، فلم يؤمن أن يُلحقوا ما يجدون من الصحف، بالقرآن، ويعتقدوا أنّ ما اشتملت عليه كلام الرحمن.[٢]
أقول:إنّ تبرير المنع عن كتابة الحديث لمخافة اختلاط القرآن به أشبه بدفع الفاسد بالأفسد، سواء أُريد الكتابة في صفحة واحدة أو في صحائف متعدّدة، وذلك:
أوّلاً: انّ العناية بحفظ القرآن ونشره وبسطه بين المسلمين، تمنع من اختلاطه بأي شيء غيره، وقد أثبتت التجربة صحّة هذا، حيث أكبّ المسلمون على كتابة الحديث من القرن الثاني إلى يومنا هذا ولم يتطرق الحديث إلى آي القرآن وسوره.
ثانياً: انّ القرآن متميز بأُسلوبه وبلاغته عن أُسلوب الحديث وبلاغته، فإنّ
[١] تيسير الوصول:٣/١٧٧. [٢] تقييد العلم:٥٧.