رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢١٧
إنّما الكلام إذا تمّت دلالة الكلام واستقرّ ظهوره في معنى معيّن على نحو يُعد خلافه مرجوحاً أو غير ملتفت إليه فهل توصف دلالته حينئذ ظنيّة؟
وبذلك تعرف الفرق بين الظاهر والنصّ، فقد عرفا بوجوه مختلفة، ولكن أوجز التعاريف للنص والظاهر هي ما يلي:
النص: ما لا يحتمل إلاّ معنىً واحداً.
الظاهر: ما يحتمل معنيين: أحدهما راجح ملتفت إليه، والثاني مرجوح لا يلتفت إليه العرف.
وإن شئت قلت: إنّ النصّ ما لا يمكن صرفه إلاّ إلى معنى واحد ولو صرفه إلى معنى آخر لعُدّ المتكلّم متناقضاً وهذا بخلاف الظاهر، فإنّ صرفه إلى غير المعنى الظاهر أمر مرجوح ولكن لا يُعدّ تناقضاً، فالأوّل كقوله سبحانه: (قُل هُوَ اللّه أَحد)فإنّ لفظة «أحد» نصّ في التوحيد والقول بالتثليث يناقضه أو قوله سبحانه:(فلبث فيهم ألف سنة إلاّ خمسين عاماً)[١] ، فإنّ الألف وكذا لفظ الخمسين وهكذا سائر ألفاظ الآية لا تحتمل إلاّ معنى واحداً.
وأمّا الثاني فكقوله: أكرم العلماء فإنّه ظاهر في عامة العلماء، ولكن لو قال بأنّ مقصودي منهم هو قسم العدول، فهذا يُعدّ خلافاً للظاهر ولا يعدّ الرجل مناقضاً إذا كان بصدد التشريع والتقنين، فإنّ المخصص في البيئات التقنينية يأتي متأخّراً غالباً لا مقارناً.
ولذلك لا يقبل من الإنسان ـ الذي ليس له شأن التقنين ـ إلقاء العام وإرادة الخاص إذا لم يذكر المخصّص في جنب العام.
[١] العنكبوت:١٤.