رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٩٤
وهو (قدس سره) بإنكار الحكم الظاهري بتاتاً وأنّه ليس هناك حكم وراء الواقع أجاب عن جميع الإشكالات، إذ ليس هناك وراء الحكم الواقعي حكم حتّى يلزم الاجتماع ـ أي اجتماع حكمين ضدين أو مثلين ـ ولا الإرادة ولا الكراهة ولا المصلحة ولا المفسدة، لأنّ الاجتماع في أي مرتبة من المراتب من شؤون وجود حكمين فإذا لم يكن هناك حكم ثان لم يكن هناك ما يُعدّ من شؤون الحكم الثاني أي الاجتماع في المظاهر الثلاثة.
نعم ما ذكره من الجواب لا يدفع محذور تفويت المصلحة، أو الإلقاء في المفسدة، فإنّ الأمر بالعمل بالأمارة بنفسه مفوّت لمصلحة الواقع أو موقع في المفسدة الواقعية وإن لم يتضمّن حكماً شرعياً، وقد أجاب عنه (قدس سره) بأنّه مدفوع بوجود مصلحة غالبة على مصلحة التفويت أو الإلقاء.
ولعلّ مراده من تلك المصلحة هو المصلحة السلوكية في منهج الشيخ الأنصاري، و المراد بها تسهيل الأمر على المسلمين، حيث إنّ الأمر بتحصيل الواقع يورث العسر والحرج في أكثر الأزمنة بخلاف العمل بالأمارة، فإنّ فيه تسهيلاً للأمر ولو خالف الواقع بنسبة قليلة لكنّه يوافقه بنسبة كثيرة، وهذا المقدار من الخير الكثير يُجبر الشر القليل.
تحليل الجواب
وهذا الجواب غير خال من الإشكال حيث إنّ القول بأنّ المجعول في باب الأمارات هو الحجّية خلاف التحقيق، فإنّه ليس للشارع أيّ جعل في باب الأمارات، بل أقصى ما قام به، انّه أمضى ما عليه العقلاء من العمل بقول الثقة، بالسكوت أو بإخراج الفاسق وإبقاء العادل بالروايات الإرجاعية وغيرها، فما ورد في الروايات إمّا إرشاد إلى الصغرى أو إمضاء لما في يد العقلاء حتّى أنّ ما ورد في