رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٧٠
قلت: إنّ الموضوع لوجوب الطاعة، أو حرمة التمرّد هو البيان الواصل، فلا يصدقان إلاّ مع وصوله، أمّا الظن بالحكم واحتماله، فهما موضوعان لحسن الاحتياط، فلا يحسن إلاّ إذا كان هناك أحد الأمرين فيجب تمييز ما هو موضوع لوجوب الطاعة عمّا هو موضوع لحسن الاحتياط، فالبيان الظني أو الاحتمالي موضوعان للثاني دون الأوّل. ولو كان البيان الاحتمالي كافياً في إتمام الحجّة لما تبرّأ منه سبحانه لوجوده في أكثر الناس قبل بعث الرسل.
فإن قلت: ما الفرق بين مقاصد العبد وأغراضه، ومقاصد المولى وأغراضه، فانّ سعي العبد لا يتحدد بصورة القطع بها بل يعمّ صورتي الظن والاحتمال، فليكن سعي العبد وراء مقاصد المولى وأغراضه كذلك، أفهل يمكن أن تكون مقاصد الشريعة، أقل قيمة من أغراض العبد، ولا يجب تحصيلها عند الظن والشك؟
قلت: لا شكّ انّ مقاصد الشريعة أولى وأفضل من المقاصد الدنيوية للعبد لكن الكلام في حد دائرة مسؤولية العبد عند العقل، فهل هو مسؤول عن عامة مقاصد المولى وأغراضه سواء أكانت مقطوعة أم مظنونة أم مشكوكة، أو هو مسؤول عمّا قامت الحجّة عليه، سواء أكان هناك غرض أم لا، إنّ العقل الفطري يحكم بالثاني.
وإن شئت قلت: الواجب على العبد طاعة المولى فيما أمر ونهى، وعدم التمرد، حتى يدور في فلك العبودية ولا يخرج عن زيّ الرقية، وصدق الطاعة أو التمرد، فرع وجود موضوع لهما ولا موضوع إلاّ إذا تمّ البيان من المولى.
نعم ربما يكون الاحتمال منجّزاً للواقع، وباعثاً إلى الحركة نحو المحتمل، فيما لو احتمل انّه لو كان للمولى غرض في المقام، لما رضى بتركه ـ كما مرّ ـ وهو