رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٦٧
وكاستقلاله بحسن جزاء الإحسان بالإحسان وقبح جزائه بالسوء، والمقام أيضاً من هذا القبيل فالعقل مستقلّ بقبح العقاب مع تمكّن المولى من البيان، سواء أكان العقاب في هذه الحالة من مصاديق الظلم أم لا.
ثمّ إنّ الأُمور الثلاثة التالية تؤيّد كون موقف العقل، عند الشكّ في الحكم الشرعي الإيجابي أو التحريمي ، هو البراءة:
١. انّ النظام السائد بين العقلاء فيما يرجع إلى أمر الطاعة، هو البراءة ما لم يكن بيان في المقام، فالرئيس لا يحتج على من دونه في الرتبة والدرجة، إلاّ بما بيّنه وشرحه له وأمره باتّباعه، ولو قام أحد الموظّفين، بكلّ ما أُمر به وبُيّن له، على نحو لم يفته شيء منه، ولكنّه ترك ما شكّ في مطلوبيته ممّا لم يكن موجوداً في برنامجه، يعدّ مطيعاً غير عاص، ولا يحتجّ الرئيس عليه بالشكّ والترديد، مع أنّه كان متمكناً من البيان، وما هو إلاّ لقضاء فطرتهم بذلك وعقولهم عليه لا أنّهم اتّفقوا على هذا التحديد، فاتّفاقهم على تلك الضابطة من وحي الفطرة، ولأجل ذلك صارت القاعدة عالمية لا تختص بقطر دون قطر أو شعب دون شعب، والسعة والعمومية ـ كما قلنا في محلّه ـ آية كون الحكم فطريّاً نابعاً من صميم ذات الإنسان لا أمراً اتّفق عليه العقلاء لمصالح وأغراض خاصّة.
٢. انّه سبحانه يصرّح في غير واحد من آياته، بأنّ الغاية من إرسال الرسل، هو قطع عذر العباد، وإبطال حجّتهم على اللّه على نحو لولا إرسال الرسل، لكانت الحجّة للعباد على اللّه تعالى.
يقول سبحانه: (رُسُلاً مُبَشِّرينَ وَمُنْذِرينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكيماً)[١]، فالآية صريحة في أنّه سبحانه أبطل
[١] النساء:١٦٥.