رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٠٧
الأمر الأوّل
قوله سبحانه:(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْواجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رَحِيماً).[١]
ذكر المفسرون أنّ أهل الريبة كانوا يمازحون الإماء، وربّما يتجاوز المنافقون إلى ممازحة الحرائر، فإذا قيل لهم في ذلك قالوا حسبناهنّ إماءً، فقطع اللّه عذرهم فأُمر الحرائر بالستر حتى يُعرفن بذلك فلا يؤذين.
فلعلّ المجيب انتزع من هذا التعليل أنّ حرمة النظر إلى الأجنبية لأجل تكريمها، فإذا رفضت وارتفعت العلّة ارتفع الحكم.
يلاحظ عليه بأُمور:
أوّلا: لم يكن في أذهان المسلمين يوم نزلت آية الغضّ شيء سوى أنّ تحريم النظر وإيجاب الغض لأجل صيانة الناظر عن المفاسد المختلفة الّتي تترتب عليه، كما جاء ذلك صريحاً في رواية سعد الإسكاف عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: استقبل شاب من الأنصار امرأة بالمدينة وكان النساء يتقنعن خلف آذانهن، فنظر إليها وهي مقبلة، فلمّا جازت نظر إليها ودخل في زقاق قد سمّاه ببني فلان فجعل ينظر خلفها واعترض وجهه عظم في الحائط أو زجاجة فشقّ وجهه، فلمّا مضت المرأة نظر فإذا الدماء تسيل على ثوبه وصدره، فقال: واللّه لآتينّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)ولأخبرنّه، فأتاه فلمّا رآه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ما هذا؟ فأخبره فهبط جبرئيل(عليه السلام) بهذه الآية:(قُلْ لِلْمُؤْمِنينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللّهَ خَبيرٌ بِمَا يَصْنَعُون)[٢]. [٣]
[١] الأحزاب:٥٩. [٢] النور:٣٠. [٣] الوسائل:١٤، الباب١٠٤ من أبواب مقدمات النكاح، ح٤.