الموسوعة الفقهية - موسسه دائرة المعارف الفقه الاسلامي - الصفحة ٢٥٩
مع تمكّن المأمور من صبّها على الأرض أو خارج الفم وإيهام الجائر بأنّه يشربها، فإنّ هذا الفعل، نظير التورية في أنّه لو اطّلع الجائر عليه لأوقعه في الضرر [١].
ثمّ إنّ التفصيل المذكور إنّما يستفاد من ذيل كلام الشيخ الأنصاري، إلّاأنّ المستفاد من صدر كلامه أنّ الإكراه كما أنّه متقوّم بعدم إمكان التفصّي بغير التورية، كذلك هو متقوّم بعدم إمكان التفصّي بالتورية، إلّاأنّه لا يعتبر عدم إمكان التفصّي بالتورية في تحقّق الإكراه تعبّداً وبحكم الشارع.
واستدلّ على ذلك بأنّ المعتبر في صدق الإكراه خوف ترتّب الضرر على مخالفة المكره ومع إمكان التفصّي بغير التورية لا يحصل الخوف في مخالفة المكره، حيث إنّ الضرر مع إمكان التفصّي يترتّب على ترك الفعل المكره عليه وترك التفصّي معاً، وليس التفصّي مكرهاً عليه ولا بدلَ له، حيث لم يأمر به الجائر لا تعييناً ولا تخييراً ليكون نظير ما إذا أكرهه على شرب الخمر أو فعل القمار، بل الفعل المتفصّى به مسقط للإكراه، بمعنى أنّه رافع لموضوعه، وكون التفصّي مسقطاً للإكراه يجري في مورد إمكان التفصّي بالتورية أيضاً، إلّاأنّ الشارع قد رخّص في مورد إمكان التفصّي بالتورية في تركها، كما يستفاد ذلك من إطلاق الروايات الواردة في طلاق المكره وعتقه، وممّا دلّ على جواز الحلف باللَّه كاذباً عند الخوف والإكراه، فإنّ حمل الإطلاق على صورة العجز عن التورية حمل على الفرد النادر، بل لو كان العجز عن التورية معتبراً لُاشير إليه في تلك الأخبار، خصوصاً في قضية عمّار، فإنّ تنبيه رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم عمّاراً على التورية وإن لم يكن واجباً [٢] إلّاأنّ شفقته صلى الله عليه وآله وسلم عليه تقتضي ذلك؛ لما رآه من اضطرابه
[١] إرشاد الطالب ٢: ٢٤٢- ٢٤٣.
[٢] ولعلّ وجه عدم وجوب التنبيه أنّ المورد من قبيلالإرشاد إلى الموضوع مع غفلة المكلّف عنه، حيث لابدّ من فرض أنّ عمّاراً قد نسي التورية وغفل عنها عند إكراهه على الاعتراف بالشريك، لا أنّ تركه التورية كان لجهله بالحكم وعدم علمه بوجوب التورية في هذه الموارد، كما هو الحال في ترك بعض الناس أو جلّهم؛ فإنّ عدم رعاية بعض تكاليف الشرع منهم يكون لجهلهم بها، وفرض مثل هذا الجهل لا يناسب شأن عمّار ولا تطبيق الإكراه على فعله، كما هو مقتضى نزول الآية:
«إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ»
. النحل: ١٠٦.