البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٩٨ - فصل
و البغضاء لم يوثق منه بالنصيحة، و من عرف بالفجور و الخديعة لم يؤمن إليه في المحنة، و من انتحل فوق قدره جحد قدره، و لا تستحسن فيك ما تستقبح في غيرك. هذه الآثار رواها الطبراني عنه من طرق.
و روى داود بن عمرو عن إسماعيل بن عياش عن عبد اللَّه بن عثمان بن خيثم. قال: قدم علينا وهب مكة فطفق لا يشرب و لا يتوضأ إلا من زمزم، فقيل له: مالك في الماء العذب؟ فقال:
ما أنا بالذي أشرب و أتوضأ إلا من زمزم حتى أخرج منها، إنكم لا تدرون ما ماء زمزم، و الّذي نفسي بيده إنها لفي كتاب اللَّه طعام طعم، و شفاء سقم، و لا يعمد أحد إليها يتضلع منها ريا، ابتغاء بركتها، إلا نزعت منه داء و أحدثت له شفاء. و قال: النظر في زمزم عبادة. و قال: النظر فيها يحط الخطايا حطا. و قال وهب: مسخ بختنصّر أسدا فكان ملك السباع، ثم مسخ نسرا فكان ملك الطيور، ثم مسخ ثورا فكان ملك الدواب، و هو في كل ذلك يعقل عقل الإنسان، و كان ملكه قائما يدبر، ثم رد اللَّه عليه روحه إلى حالة الإنسان، فدعا إلى توحيد اللَّه و قال: كل إله باطل إلا إله السماء. فقيل له: أمات مؤمنا؟ فقال: وجدت أهل الكتاب قد اختلفوا فيه، فقال بعضهم: آمن قبل أن يموت، و قال بعضهم: قتل الأنبياء، و حرق الكتب، و حرق بيت المقدس، فلم يقبل منه التوبة. هكذا رواه الطبراني عن محمد بن أحمد بن الفرج عن عباس بن يزيد عن عبد الرزاق عن بكار بن عبد اللَّه. قال: سمعت وهب بن منبه يقول، فذكره.
و قال وهب: كان رجل بمصر فسألهم ثلاثة أيام أن يطعموه فلم يطعموه، فمات في اليوم الرابع فكفنوه و دفنوه، فأصبحوا فوجدوا الكفن في محرابهم مكتوب عليه: قتلتموه حيا و بررتموه ميتا؟
قال يحيى: فأنا رأيت القرية التي مات فيها ذلك الرجل، و ما بها أحد إلا و له بيت ضيافة، لا غنى و لا فقير هكذا رواه يحيى بن عبد الباقي عن على بن الحسن عن عبد اللَّه بن أخى وهب، قال: حدثني عمى وهب بن منبه فذكره. قال: و أهل القرية يعترفون بذلك، فمن ثم اتخذوا بيوتا للضيفان و الفقراء خوفا من ذلك. و قال عبد الرزاق عن بكار عن وهب. قال: إذا دخلت الهدية من الباب خرج الحق من الكوة. و قال إبراهيم بن الجنيد: حدثنا إبراهيم بن سعيد عن عبد المنعم بن إدريس عن عبد الصمد عن وهب بن منبه قال: مر نبي من الأنبياء على عابد في كهف جبل، فمال إليه فسلم عليه و قال له: يا عبد اللَّه منذ كم أنت هاهنا؟ قال: منذ ثلاثمائة سنة. قال: من أين معيشتك؟ قال:
من ورق الشجر، قال: فمن أين شرابك؟ قال: من ماء العيون، قال: فأين تكون في الشتاء؟
قال: تحت هذا الجبل، قال: فكيف صبرك على العبادة؟ قال: و كيف لا أصبر و إنما هو يومى إلى الليل، و أما أمس فقد مضى بما فيه، و أما غد فلم يأت بعد. قال: فعجب النبي من قوله: إنما هو