البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٩٦ - فصل
ما أوتى آل داود من ملك الدنيا يفنى، و التسبيحة تبقى، و ما يبقى خير مما يفنى. فقال الحراث:
أذهب اللَّه همك كما أذهبت همي.
و قال الامام أحمد: حدثنا إبراهيم بن عقيل بن معقل حدثني أبى عن وهب بن منبه. قال:
إن اللَّه عز و جل أعطى موسى (عليه السلام) نورا، فقال له هارون: هبه لي يا أخى، فوهبه له، فأعطاه هارون ابنه، و كان في بيت المقدس آنية تعظمها الأنبياء و الملوك، فكان ابنا هارون يسقيان في تلك الآنية الخمر، فنزلت نار من السماء فاختطفت ابني هارون فصعدت بهما، ففزع هارون لذلك فقام مستغيثا متوجها بوجهه إلى السماء بالدعاء و التضرع، فأوحى اللَّه إليه: يا هارون هكذا أفعل بمن عصاني من أهل طاعتي، فكيف فعلى بمن عصاني من أهل معصيتي؟. و قال الحكم بن أبان: نزل بى ضيف من أهل صنعاء فقال: سمعت وهب بن منبه يقول: إن للَّه عز و جل في السماء السابعة دارا يقال لها البيضاء يجمع فيها أرواح المؤمنين، فإذا مات الميت من أهل الدنيا تلقته الأرواح فيسألونه عن أخبار الدنيا كما يسأل الغائب أهله إذا قدم عليهم. و قال: من جعل شهوته تحت قدمه فزع الشيطان من ظلمه، فمن غلب علمه هواه فذلك العالم الغلاب. و قال فضيل بن عياض: أوحى اللَّه تعالى إلى بعض أنبيائه: بعيني ما يتحمل المتحملون من أجلى، و ما يكابدون في طلب مرضاتي، فكيف بهم إذا صاروا إلى داري، و تبحبحوا في رياض نعمتي؟ هنالك فليبشر المضعفون للَّه أعمالهم بالنظر العجيب من الحبيب القريب، أ تراني أنسى لهم عملا؟ و كيف و أنا ذو الفضل العظيم أجود على المولين المعرضين عنى، فكيف بالمقبلين على؟ و ما غضبت على شيء كغضبى على من أخطأ خطيئة فاستعظمها في جنب عفوي، و لو تعاجلت بالعقوبة أحدا، أو كانت العجلة من شأنى، لعاجلت القانطين من رحمتي. و لو رآني عبادي المؤمنون كيف أستوهبهم ممن اعتدوا عليه، ثم أحكم لمن وهبهم بالخلد المقيم، اتهموا فضلي و كرمي، أنا الديان الّذي لا تحل معصيتي، و الّذي أطاعنى أطاعنى برحمتي، و لا حاجة لي بهوان من خاف مقامي. و لو رآني عبادي يوم القيامة كيف أرفع قصورا تحار فيها الأبصار فيسألونى: لمن ذا؟ فأقول: لمن وهب لي ذنبا ما لم يوجب على نفسه معصيتي و القنوط من رحمتي، و إني مكافئ على المدح فامدحونى.
و قال سلمة بن شبيب: حدثنا سلمة بن عاصم حدثنا عبد اللَّه بن محمد بن عقبة حدثنا عبد الرحمن أبو طالوت حدثني مهاجر الأسدي عن وهب. قال: مرّ عيسى بن مريم و معه الحواريون بقرية قد مات أهلها، إنسها و جنها، و هوامها و أنعامها و طيورها، فقام عليها ينظر إليها ساعة ثم أقبل على أصحابه فقال: إنما مات هؤلاء بعذاب من عند اللَّه، و لو لا ذلك لماتوا متفرقين. ثم ناداهم عيسى:
يا أهل القرية، فأجابه مجيب: لبيك يا روح اللَّه، فقال: ما كانت جنايتكم و سبب هلاككم؟ قال