البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٩٧ - فصل
عبادة الطاغوت و حب الدنيا، قال: و ما كانت عبادتكم للطاغوت؟ قال: طاعة أهل المعاصي هي عبادة الطاغوت. قال: و ما كان حبكم للدنيا؟ قال: كحب الصبىّ لأمه، كنا إذا أقبلت فرحنا، و إذا أدبرت حزنا، مع أمل بعيد، و إدبار عن طاعة اللَّه، و إقبال على مساخطه. قال: فكيف كان هلاككم؟ قال: بتنا ليلة في عافية و أصبحنا في هاوية، قال: و ما الهاوية؟ قال: سجين، قال:
و ما السجين؟ قال: جمرة من نار مثل أطباق الدنيا كلها دفنت أرواحنا فيها، قال: فما بال أصحابك لا يتكلمون؟ قال: لا يستطيعون أن يتكلموا. قال: و كيف ذلك؟ قال: هم ملجمون بلجم من نار. قال: و كيف كلمتنى أنت من بينهم؟ قال: كنت فيهم لما أصلبهم العذاب و لم أكن منهم و لا على أعمالهم، فلما جاء البلاء عمني معهم، و أنا معلق بشعرة في الهاوية لا أدرى أ كردس فيها أم أنجو. فقال عيسى (عليه السلام) عند ذلك لأصحابه: بحق أقول لكم: لخبز الشعير و شرب الماء القراح و النوم على المزابل كثير مع عافية الدنيا و الآخرة و روى الطبراني عنه أنه قال: لا يكون المرء حكيما حتى يطيع اللَّه عز و جل، و ما عصى اللَّه حكيم، و لا يعصى اللَّه إلا أحمق، و كما لا يكمل النهار إلا بالشمس، و لا يعرف الليل إلا بالظلام، كذلك لا تكمل الحكمة إلا بطاعة اللَّه عز و جل، و لا يعصى اللَّه حكيم، كما لا يطير الطير إلا بجناحين، و لا يستطيع من لا جناح له أن يطير، كذلك لا يطيع اللَّه من لا يعمل له، و لا يطيق عمل اللَّه من لا يطيعه. و كما لا مكث للنار في الماء حتى تطفأ، كذلك لا مكث لعمل الرياء حتى يبور. و كما يبدي سرّ الزانية و فضيحتها فعلها، كذلك يفتضح بالفعل السيئ من كان يقرأ لجليسه بالقول الحسن و لم يعمل به. و كما تكذب معذرة السارق بالسرقة إذا ظهر عليها عنده، كذلك تكذب معصية القارئ للَّه قراءته إذا كان يقرؤها لغير اللَّه تعالى.
و قال الطبراني: حدثنا محمد بن النضر حدثنا على بن بحر بن بري حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم حدثنا عبد الصمد بن معقل. قال سمعت وهبا يقول: في مزامير آل داود: طوبى لمن يسلك سبيل الحطابين و لا يجالس البطالين، و طوبى لمن يسلك طريق الأئمة و يستقيم على عبادة ربه، فمثله كمثل شجرة نابتة على ساقية لا تزال فيها الحياة، و لا تزال خضراء. و روى الطبراني أيضا عنه قال: إذا قامت الساعة صرخت الحجارة صراخ النساء، و قطرت العضاة دما. و روى عنه أنه قال:
ما من شيء إلا يبدو صغيرا ثم يكبر، إلا المصيبة فإنها تبدو كبيرة ثم تصغر. و روى عنه أيضا أنه قال: وقف سائل على باب داود (عليه السلام)، فقال: يا أهل بيت النبوة تصدقوا علينا بشيء رزقكم اللَّه رزق التاجر المقيم في أهله. فقال داود: أعطوه، فو الّذي نفسي بيده إنها لفي الزبور.
و قال: من عرف بالكذب لم يجز صدقه، و من عرف بالصدق ائتمن على حديثه، و من أكثر الغيبة