البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٠ - فصل
يحب أن يحمد على ما لم يفعل، و يكره أن يذم بما فيه. قال: و قال لقمان لابنه: يا بنى اعقل عن اللَّه فان أعقل الناس من عقل عن اللَّه، و إن الشيطان ليفر من العاقل ما يستطيع أن يكايده. و قال لرجل من جلسائه: ألا أعلمك طبا لا يتعايا فيه الأطباء، و فقها لا يتعايا فيه الفقهاء، و حلما لا يتعايا فيه الحلماء، قال: بلى يا أبا عبد اللَّه، قال: أما الطب فلا تأكل طعاما إلا سميت اللَّه على أوله و حمدته على آخره، و أما الفقه فان سئلت عن شيء عندك فيه علم فأخبر بما تعلم و إلا فقل: لا أدرى، و أما الحلم فأكثر الصمت إلا أن تسأل عن شيء. و قال: إذا كان في الصبى خلقان، الحياء و الرهبة، طمع في رشده.
و قال: لما بلغ ذو القرنين مطلع الشمس قال له ملك هناك: صف لي الناس، فقال محادثتك من لا يعقل كمن يغنى الموتى، و محادثتك من لا يعقل كمن يبل الصخر الأصم كي يلبن، و كمن يطبخ الحديد يلتمس أدمه، و محادثتك من لا يعقل كمن يضع المائدة لأهل القبور، و نقل الحجارة من رءوس الجبال أيسر من محادثة من لا يعقل. و قال: قرأت في بعض الكتب أن مناديا ينادى من السماء الرابعة كل صباح: أبناء الأربعين زرع قد دنا حصاده، أبناء الخمسين ما ذا قدمتم؟ أبناء الستين لا عذر لكم، ليت الخلق لم يخلقوا، و ليتهم إذ خلقوا علموا لما ذا خلقوا، قد أتتكم الساعة فخذوا حذركم. و قال: قال دانيال: يا لهفي على زمن يلتمس فيه الصالحون فلا يوجد منهم أحد، إلا كالسنبلة في أثر الحاصد، أو كالخصلة في أثر القاطف، يوشك نوائح أولئك و بواكيهم أن تبكيهم.
و روى عبد الرزاق عن عبد الصمد بن معقل. قال: سمعت وهبا يقول في قوله تعالى: وَ نَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ قال: إنما يوزن من الأعمال خواتيمها، و إذا أراد اللَّه بعبد خيرا ختم له بخير عمله، و إذا أراد اللَّه بعبد شرا ختم له بشر عمله. و قال وهب: إن اللَّه تعالى لما فرغ من الخلق نظر إليهم حين مشوا على وجه الأرض فقال: أنا اللَّه لا إله إلا أنا الّذي خلقتكم و أفنيكم بحكمي حق قضائي و نافذ أمرى، أنا أعيدكم كما خلقتكم، و أفنيكم حتى أبقى وحدي، فان الملك و الخلود لا يحق إلا لي، أدعو خلقي و أجمعهم بقضائي، يوم أحشر أعدائى، و تجل القلوب من هيبتي، و تتبرأ الآلهة ممن عبدها دوني.
قال: و ذكر وهب أن اللَّه لما فرغ من خلقه يوم الجمعة أقبل يوم السبت فمدح نفسه بما هو أهله و ذكر عصمته و جبروته و كبرياءه، و سلطانه و قدرته و ملكه و ربوبيته، فأنصت كل شيء و أطرق له.
فقال: أنا الملك لا إله إلا أنا ذو الرحمة الواسعة و الأسماء الحسنى، أنا اللَّه لا إله إلا أنا ذو العرش المجيد و الأمثال العلا، أنا اللَّه لا إله إلا أنا ذو الطول و المن و الآلاء و الكبرياء، أنا اللَّه لا إله إلا أنا بديع السموات و الأرض، ملأت كل شيء عظمتي، و قهر كل شيء ملكي، و أحاطت بكل شيء قدرتي، و أحصى كل شيء علمي، و وسعت كل شيء رحمتي، و بلغ كل شيء لطفي، فأنا اللَّه يا معشر الخلائق