البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٤ - جرير الشاعر
ينهه، فأنشده قصيدة طويلة يمدحه بها، فقال له: ويحك يا جرير لا أرى لك فيما هاهنا حقا، فقال: إني مسكين و ابن سبيل، قال: إنا ولينا هذا الأمر و نحن لا تملك إلا ثلاثمائة درهم، أخذت أم عبد اللَّه مائة و ابنها مائة و قد بقيت مائة، فأمر له بها، فخرج على الشعراء فقالوا: ما وراءك يا جرير؟ فقال:
ما يسوءكم، خرجت من عند أمير المؤمنين و هو يعطى الفقراء و يمنع الشعراء و إني عنه لراض، ثم أنشأ يقول:
رأيت رقى الشيطان لا تستفزّه* * * و قد كان شيطاني من الجن راقيا
و قال بعضهم فيما حكاه المعافى بن زكريا الجريريّ قالت جارية للحجاج بن يوسف: إنك تدخل هذا علينا، فقال: إنه ما علمت عفيفا، فقالت: أما إنك لو أخليتنى و إياه سترى ما يصنع، فأمر بإخلائها مع جرير في مكان يراهما الحجاج و لا يريانه، و لا يشعر جرير بشيء من ذلك، فقالت له:
يا جرير، فأطرق رأسه، و قال: ها أنا ذا، فقالت: أنشدنى من قولك كذا و كذا- لشعر فيه رقة- فقال:
لست أحفظه و لكن أحفظ كذا و كذا- و يعرض عن ذاك و ينشدها شعرا في مدح الحجاج- فقالت:
لست أريد هذا، إنما أريد كذا و كذا- فيعرض عن ذاك و ينشدها شعرا في مدح الحجاج- فقالت:
لست أريد هذا، إنما أريد كذا و كذا فيعرض عن ذاك و ينشدها في الحجاج- حتى انقضى المجلس فقال الحجاج: للَّه درك، أبيت إلا كرما و تكرما. و قال عكرمة أنشدت أعرابيا بيتا لجرير الخطفى:
أبدل الليل لا تجرى كواكبه* * * أو طال حتى حسبت النجم حيرانا
فقال الأعرابي: إن هذا حسن في معناه و أعوذ باللَّه من مثله، و لكنى أنشدك في ضده من قولي
و ليل لم يقصره رقاد* * * و قصره لنا وصل الحبيب
نعيم الحب أورق فيه* * * حتى تناولنا جناه من قريب
بمجلس لذة لم نقف فيه* * * على شكوى و لا عيب الذنوب
فخشينا أن نقطعه بلفظ* * * فترجمت العيون عن القلوب [١]
فقلت له: زدني، قال: أما من هذا فحسبك و لكن أنشدك غيره فأنشدنى:
و كنت إذا عقدت حبال قوم* * * صحبتهم و شيمتي الوفاء
فأحسن حين يحسن محسنوهم* * * و أجتنب الإساءة إن أساءوا
أشاء سوى مشيئتهم فآتي* * * مشيئتهم و اترك ما أشاء
قال ابن خلكان: كان جرير أشعر من الفرزدق عند الجمهور، و أفخر بيت قاله جرير:
إذا غضبت عليك بنو تميم حسبت الناس كلهم غضابا قال و قد سأله رجل: من أشعر الناس؟ فأخذ بيده و أدخله على ابنه، و إذا هو يرتضع من ثدي
[١] في هذه الأبيات تحريف، و لم نقف عليها في مرجع آخر.