البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦١ - جرير الشاعر
فحيا الإله أبا حرزة* * * و أرغم أنفك يا أخطل
و جدّ الفرزدق اتعس به* * * ورق خياشيمه الجندل
فأنشأ الفرزدق يقول:
يا أرغم اللَّه أنفا أنت حامله* * * يا ذا الخنا و مقال الزور و الخطل
ما أنت بالحكم الترضى حكومته* * * و لا الأصيل و لا ذي الرأى و الجدل
ثم أنشأ الأخطل يقول:-
يا شر من حملت ساق على قدم* * * ما مثل قولك في الأقوام يحتمل
ان الحكومة ليست في أبيك و لا* * * في معشر أنت منهم انهم سفل
فقام جرير مغضبا و قال:-
أ تشتمان سفاها خيركم حسبا* * * ففيكما- و إلهي- الزور و الخطل
شتمتماه على رفعي و وضعكما* * * لا زلتما في سفال أيها السفل
ثم وثب جرير فقبل رأس الأعرابي و قال: يا أمير المؤمنين جائزتي له، و كانت خمسة آلاف، فقال عبد الملك: و له مثلها من مالي، فقبض الأعرابي ذلك كله و خرج. و حكى يعقوب بن السكيت أن جريرا دخل على عبد الملك مع وفد أهل العراق من جهة الحجاج فأنشده مديحه الّذي يقول فيه:
أ لستم خير من ركب المطايا* * * و أندى العالمين بطون راح
فأطلق له مائة ناقة و ثمانية من الرعاء أربعة من النوبة و أربعة من السبي الذين قدم بهم من الصغد قال جرير: و بين يدي عبد الملك جامان من فضة قد أهديت له، و هو لا يعبأ بها شيئا، فهو يقرعها بقضيب في يده، فقلت: يا أمير المؤمنين المحلب، فألقى إلى واحدا من تلك الجامات، و لما رجع إلى الحجاج أعجبه إكرام أمير المؤمنين له فأطلق الحجاج له خمسين ناقة تحمل طعاما لأهله.
و حكى نفطويه أن جريرا دخل يوما على بشر بن مروان و عنده الأخطل، فقال بشر لجرير:
أ تعرف هذا؟ قال: لا، و من هذا أيها الأمير؟ فقال: هذا الأخطل، فقال الأخطل: أنا الّذي قذفت عرضك، و أسهرت ليلك، و آذيت قومك، فقال جرير: أما قولك شتمت عرضك فما ضر البحر أن يشتمه من غرق فيه، و أما قولك و أسهرت ليلك، فلو تركتني أنام لكان خيرا لك، و أما قولك و آذيت قومك فكيف تؤذى قوما أنت تؤدى الجزية إليهم؟ و كان الأخطل من نصارى العرب المتنصرة، قبحه اللَّه و أبعد مثواه، و هو الّذي أنشد بشر بن مروان قصيدته التي يقول فيها:
قد استوى بشر على العراق* * * من غير سيف و دم مهراق