البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٦ - بكر بن عبد اللَّه المزني البصري
اللَّه، فبهت و أبلس و لم ينطق و تحير و خجل، ثم قالت: قاتل اللَّه جميلا حيث يقول:-
محا اللَّه من لا ينفع الود عنده* * * و من حبله إن صد غير متين
و من هو ذو وجهين ليس بدائم* * * على العهد حلافا بكل يمين
ثم شرع كثير يعتذر و يتنصل مما وقع منه و يقول في ذلك الأشعار ذاكرا و آثرا. و قد ماتت عزة بمصر في أيام عبد العزيز بن مروان، و زار كثير قبرها و رثاها و تغير شعره بعدها، فقال له قائل:
ما بال شعرك تغير و قد قصرت فيه؟ فقال: ماتت عزة و لا أطرب، و ذهب الشباب فلا أعجب، و مات عبد العزيز بن مروان فلا أرغب، و إنما ينشأ الشعر عن هذه الخلال.
و كانت وفاته و وفاة عكرمة في يوم واحد، و لكن في سنة خمس و مائة على المشهور. و إنما ذكره شيخنا الذهبي في هذه السنة- أعنى سنة سبع و مائة- و اللَّه سبحانه أعلم.
ثم دخلت سنة ثمان و مائة
[ففيها افتتح مسلمة بن عبد الملك قيسارية من بلاد الروم، و فتح إبراهيم بن هشام بن عبد الملك حصنا من حصون الروم أيضا، و فيها غزا أسيد بن عبد اللَّه القسري أمير خراسان فكسر الأتراك كسرة فاضحة. و فيها زحف خاقان إلى أذربيجان و حاصر مدينة وارثان و رماها بالمناجيق، فسار إليه أمير تلك الناحية الحارث بن عمرو نائب مسلمة بن عبد الملك، فالتقى مع خاقان ملك الترك فهزمه و قتل من جيشه خلق كثير، و هرب الخاقان بعد أن كان قتل في جملة من قتل من جيشه، و قتل الحارث بن عمرو شهيدا، و ذلك بعد أن قتلوا من الأتراك خلقا كثيرا. و فيها غزا معاوية بن هشام بن عبد الملك أرض الروم، و بعث البطال على جيش كثيف فافتتح جنجرة و غنم منها شيئا كثيرا] [١]
و فيها توفى من الأعيان
بكر بن عبد اللَّه المزني البصري.
[كان عالما عابدا زاهدا متواضعا قليل الكلام، و له روايات كثيرة عن خلق من الصحابة و التابعين. قال بكر بن عبد اللَّه: إذا رأيت من هو أكبر منك من المسلمين فقل: سبقته إلى المعاصي فهو خير منى، و إذا رأيت إخوانك يكرمونك و يعظمونك فقل: هذا من فضل ربى، و إذا رأيت منهم تقصيرا فقل: هذا بذنب أحدثته. و قال:
من مثلك يا ابن آدم؟ خلى بينك و بين الماء و المحراب متى شئت تطهرت و دخلت على ربك عز و جل ليس بينك و بينه ترجمان و لا حاجب. و قال: لا يكون العبد تقيا حتى يكون تقى الطمع تقى الغضب.
قال: إذا رأيتم الرجل موكلا بعيوب الناس ناسيا لعيبه فاعلموا أنه قد مكر به. و قال: كان الرجل من بنى إسرائيل إذا بلغ المبلغ الصالح من العمل فمشى في الناس تظلله غمامة، قال: فمر رجل قد أظلته غمامة على رجل فأعظمه لما رآه مما آتاه اللَّه، فاحتقره صاحب الغمامة فأمرها اللَّه أن تتحول
[١] زيادة من المصرية.