البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٢ - و فيها توفى كثير عزة الشاعر المشهور
مذهبي، فان أصابني سهم غرب من بينهما خسرت الدنيا و الآخرة، فقال: إي و اللَّه يا أمير المؤمنين، فاحتكم، قال: أحتكم حكمي أن أردك إلى أهلك و أحسن جائزتك، فأعطاه مالا و أذن له بالانصراف.
و قال حماد الراوية عن كثير عزة: وفدت أنا و الأحوص و نصيب إلى عمر بن عبد العزيز حين ولى الخلافة، و نحن نمتّ بصحبتنا إياه و معاشرتنا له، لما كان بالمدينة، و كل منا يظن أنه سيشركه في الخلافة، فنحن نسير و نختال في رحالنا، فلما انتهينا إلى خناصرة و لاحت لنا أعلامها، تلقانا مسلمة بن عبد الملك فقال: ما أقدمكم؟ أو ما علمتم أن صاحبكم لا يحب الشعر و لا الشعراء؟ قال: فوجمنا لذلك، فأنزلنا مسلمة عنده و أجرى علينا النفقات و علف دوابنا، و أقمنا عنده أربعة أشهر لا يمكنه أن يستأذن لنا على عمر، فلما كان في بعض الجمع دنوت منه لأسمع خطبته فأسلم عليه بعد الصلاة، فسمعته يقول في خطبته: لكل سفر زاد، فتزودوا لسفركم من الدنيا إلى الآخرة بالتقوى، و كونوا كمن عاين ما أعد اللَّه له من عذابه و ثوابه فترغبوا و ترهبوا، و لا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم و تنقادوا لعدوكم، فإنه و اللَّه ما بسط أمل من لا يدرى لعله لا يمسى بعد إصباحه و لا يصبح بعد إمسائه، و ربما كانت له كامنة بين ذلك خطرات الموت و المنايا، و إنما يطمئن من وثق بالنجاة من عذاب اللَّه و أهوال يوم القيامة، فأما من لا يداوي من الدنيا كلما إلا أصابه جارح من ناحية أخرى فكيف يطمئن، أعوذ باللَّه أن آمركم بما أنهى عنه نفسي فتخسر صفقتي و تبدو مسكنتي في يوم لا ينفع فيه إلا الحق و الصدق، ثم بكى حتى ظننا أنه قاض نحبه، و ارتج المسجد و ما حوله بالبكاء و العويل: قال: فانصرفت إلى صاحبي فقلت: خذ سرحا من الشعر غير ما كنا نقول لعمر و آبائه فإنه رجل أخرى ليس برجل دنيا. قال:
ثم استأذن لنا مسلمة عليه يوم الجمعة فلما دخلنا عليه سلمت عليه ثم قلت: يا أمير المؤمنين طال الثواء و قلت! الفائدة، و تحدث بجفائك إيانا وفود العرب. فقال: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ و قرأ الآية، فان كنتم من هؤلاء أعطيتم و إلا فلا حق لكم فيها، فقلت: يا أمير المؤمنين إني مسكين و عابر سبيل و منقطع به، فقال: أ لستم عند أبى سعيد؟- يعنى مسلمة بن عبد الملك- فقلنا: بلى! فقال: إنه لا ثواب على من هو عند أبى سعيد، فقلت: ائذن لي يا أمير المؤمنين بالإنشاد، قال:
نعم و لا تقل إلا حقا، فأنشدته قصيدة فيه:
و ليت فلم تشتم عليا و لم تخف* * * بريئا و لم تقبل إشارة مجرم
و صدقت بالفعل المقال مع الّذي* * * أتيت فأمسى راضيا كل مسلم
ألا إنما يكفى الفتى بعد ريعه* * * من الأود النادي ثقاف المقوم
و قد لبست تسعى إليك ثيابها* * * تراءى لك الدنيا بكف و معصم
و تومض أحيانا بعين مريضة* * * و تبسم عن مثل الجمان المنظم