البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١٨ - فصل
خرج يوم الجمعة في ثياب دسمة، وراءه حبشي يمشى، فلما انتهى إلى الناس رجع الحبشي، فكان عمر إذا انتهى إلى الرجلين قال: هكذا رحمكما اللَّه، حتى صعد المنبر فخطب فقرأ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ فقال: و ما شأن الشمس وَ إِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ وَ إِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ فبكى و بكى أهل المسجد، و ارتج المسجد بالبكاء حتى رأيت حيطان المسجد تبكى معه، و دخل عليه أعرابى فقال: يا أمير المؤمنين جاءت بى إليك الحاجة، و انتهيت إلى الغاية، و اللَّه سائلك عنى. فبكى عمر و قال له: كم أنتم؟ فقال:
أنا و ثلاث بنات. ففرض له على ثلاثمائة، و فرض لبناته مائة مائة، و أعطاه مائة درهم من ماله، و قال له: اذهب فاستنفقها حتى تخرج أعطيات المسلمين فتأخذ معهم.
و جاءه رجل من أهل أذربيجان فقام بين يديه و قال: يا أمير المؤمنين اذكر بمقامي هذا بين يديك مقامك غدا بين يدي اللَّه، حيث لا يشغل اللَّه عنك فيه كثرة من يخاصم من الخلائق، من يوم تلقاه بلا ثقة من العمل، و لا براءة من الذنب، قال: فبكى عمر بكاء شديدا ثم قال له: ما حاجتك؟
فقال: إن عملك بأذربيجان عدا عليّ فأخذ منى اثنى عشر ألف درهم فجعلها في بيت المال. فقال عمر: اكتبوا له الساعة إلى عاملها، فليرد عليه، ثم أرسله مع البريد. و عن زياد مولى ابن عياش قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز في ليلة باردة شاتية، فجعلت أصطلى على كانون هناك، فجاء عمر و هو أمير المؤمنين فجعل يصطلى معى على ذلك الكانون، فقال لي: يا زياد؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قال: قصّ على، قلت ما أنا بقاصّ، فقال: تكلم، فقلت زياد، فقال: ما له؟
فقلت: لا ينفعه من دخل الجنة إذا دخل النار، و لا يضره من دخل النار إذا دخل الجنة، فقال:
صدقت، ثم بكى حتى أطفأ الجمر الّذي في الكانون.
و قال له زياد العبديّ: يا أمير المؤمنين لا تعمل نفسك في الوصف و أعملها في المخرج مما وقعت فيه، فلو أن كل شعرة فيك نطقت بحمد اللَّه و شكره و الثناء عليه ما بلغت كنه ما أنت فيه، ثم قال له زياد: يا أمير المؤمنين أخبرنى عن رجل له خصم ألد ما حاله؟ قال: سيء الحال، قال: فان كانا خصمين ألدّين؟ قال: فهو أسوأ حالا، قال: فان كانوا ثلاثة؟ قال: ذاك حيث لا يهنئه عيش. قال:
فو اللَّه يا أمير المؤمنين ما أحد من أمة محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) إلا و هو خصمك، قال: فبكى عمر حتى تمنيت أنى لم أكن حدثته ذلك. و كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة و أهل البصرة: أما بعد فان من الناس من شاب في هذا الشراب، و يغشون عنده أمورا انتهكوها عند ذهاب عقولهم، و سفه أحلامهم، فسفكوا له الدم الحرام، و ارتكبوا فيه الفروج الحرام، و المال الحرام، و قد جعل اللَّه عن ذلك مندوحة من أشربة حلال، فمن انتبذ فلا ينتبذ إلا من أسقية الأدم، و استغنوا بما أحل اللَّه عما حرم، فانا من وجدناه شرب شيئا مما حرم اللَّه بعد ما تقدمنا إليه، جعلنا له عقوبة شديدة،