البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠٦ - فصل
لا تأمنى فجمع دهر مترف ختل* * * قد استوى عنده من طاب أو خبثا
يا رب ذي أمل فيه على وجل* * * أضحى به آمنا امسى و قد حدثا
من كان حين تصيب الشمس جبهته* * * أو الغبار يخاف الشين و الشعثا
و يألف الظل كي تبقى بشاشته* * * فكيف يسكن يوما راغما جدثا
قفراء موحشة غبراء مظلمة* * * يطيل تحت الثرى من قعرها اللبثا
و قد ذكرها ابن أبى الدنيا فعمر أنشدها عنه، و اللَّه سبحانه و تعالى أعلم.
و كان عمر يتمثل بها كثيرا و يبكى] [١] و قال الفضل بن عباس الحلبي: كان عمر بن عبد العزيز لا يجف فوه من هذا البيت:
و لا خير في عيش امرئ لم يكن له* * * من اللَّه في دار القرار نصيب
و زاد غيره معه بيتا حسنا و هو قوله:
فان تعجب الدنيا أناسا فإنها* * * متاع قليل و الزوال قريب
و من شعره الّذي أنشده ابن الجوزي:
أنا ميت و عز من لا يموت* * * قد تيقنت أننى سأموت
ليس ملك يزيله الموت ملكا* * * إنما الملك ملك من لا يموت
و قال عبد اللَّه بن المبارك: كان عمر بن عبد العزيز يقول [٢]:-
تسر بما يفنى و تفرح بالمنى* * * كما اغتر باللذات في النوم حالم
نهارك يا مغرور سهو و غفلة* * * و ليلك نوم و الردى لك لازم
و سعيك فيما سوف تكره غبه* * * كذلك في الدنيا تعيش البهائم
و قال محمد بن كثير: قال عمر بن عبد العزيز يلوم نفسه:
أ يقظان أنت اليوم أم أنت نائم* * * و كيف يطيق النوم حيران هائم
فلو كنت يقظان الغداة لحرّقت* * * محاجر عينيك الدموع السواجم
بل أصبحت في النوم الطويل و قد دنت* * * إليك أمور مفظعات عظائم
و تكدح فيما سوف تكره غبّه* * * كذلك في الدنيا تعيش البهائم
فلا أنت في النوام يوما بسالم* * * و لا أنت في الإيقاظ يقظان حازم
و روى ابن أبى الدنيا بسنده عن فاطمة بنت عبد الملك قالت: انتبه عمر ذات ليلة و هو يقول:
لقد رأيت الليلة رؤيا عجيبة، فقلت: أخبرنى بها، فقال: حتى نصبح، فلما صلى بالمسلمين دخل
[١] سقط من نسخة الاستانة
[٢] و هي من نظم عبد اللَّه بن عبد الأعلى.