البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤٣ - ثم دخلت سنة ست و تسعين
إليه، و كان غربي المعبد قصر منيف جدا تحمله هذه الأعمدة التي بباب البريد، و شرقى المعبد قصر جيرون الملك، الّذي كان ملكهم، و كان هناك داران عظيمتان معدتان لمن يتملك دمشق قديما منهم، و يقال إنه كان مع المعبد ثلاث دور عظيمة للملوك، و يحيط بهذه الدور و المعبد سور واحد عال منيف، بحجارة كبار منحوتة، و هن دار المطبق، و دار الخيل، و دار كانت تكون مكان الخضراء التي بناها معاوية.
قال ابن عساكر فيما حكاه عن كتب بعض الأوائل: إن اليونان مكثوا يأخذون الطالع لبناء دمشق و هذه الأماكن ثماني عشرة سنة، و قد حفروا أساس الجدران حتى و أتاهم الوقت الّذي طلع فيه الكوكبان اللذان أرادوا أن هذا المعبد لا يخرب أبدا و لا تخلو منه العبادة، و أن هذه الدار إذا بنيت لا تخلو من أن تكون دار الملك و السلطنة. قلت: أما المعبد فلم يخل من العبادة. قال كعب الأحبار: لا يخلو منها حتى تقوم الساعة، و أما دار الملك التي هي الخضراء فقد جدد بناءها معاوية، ثم أحرقت في سنة إحدى و ستين و أربعمائة كما سنذكره، فبادت و صارت مساكن ضعفاء الناس و أراذلهم في الغالب إلى زماننا هذا. و المقصود أن اليونان استمروا على هذه الصفة التي ذكرناها بدمشق مددا طويلة، تزيد على أربعة آلاف سنة، حتى أنه يقال إن أول من بنى جدران هذا المعبد الأربعة هود (عليه الصلاة و السلام)، و قد كان هود قبل إبراهيم الخليل بمدد طويلة، و قد ورد إبراهيم الخليل دمشق و نزل شمالها عند برزة، و قاتل هناك قوما من أعدائه فظفر بهم، و نصره اللَّه عليهم، و كان مقامه لمقاتلتهم عند برزة، فهذا المكان المنسوب إليه بها منصوص عليه في الكتب المتقدمة، يأثرونه كابرا عن كابر و إلى زماننا و اللَّه أعلم.
و كانت دمشق إذ ذاك عامرة آهلة بمن فيها من اليونان، و كانوا خلقا لا يحصيهم إلا اللَّه، و هم خصماء الخليل، و قد ناظرهم الخليل في عبادتهم الأصنام و الكواكب و غيرها في غير موضع، كما قررنا ذلك في التفسير، و في قصة الخليل من كتابنا هذا «البداية و النهاية» و للَّه الحمد و باللَّه المستعان.
و المقصود أن اليونان لم يزالوا يعمرون دمشق و يبنون فيها و في معاملاتها من أرض حوران و البقاع و بعلبكّ و غيرها، البنايات الهائلة الغريبة العجيبة، حتى إذا كان بعد المسيح بمدة نحو من ثلاثمائة سنة تنصر أهل الشام على يد الملك قسطنطين بن قسطنطين، الّذي بنى المدينة المشهورة به ببلاد الروم و هي القسطنطينية، و هو الّذي وضع لهم القوانين، و قد كان أولا هو و قومه و غالب أهل الأرض يونانا، و وضعت له بطاركته النصارى دينا مخترعا مركبا من أصل دين النصرانية، ممزوجا بشيء من عبادة الأوثان، وصلوا به إلى الشرق، و زادوا في الصيام، و أحلوا الخنزير، و علموا أولادهم الأمانة الكبيرة فيما يزعمون، و إنما هي في الحقيقة خيانة كبيرة، و جناية كثيرة حقيرة، و هي مع ذلك في الحجم