البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧٥ - قصة أبى عبيدة و حصر الروم له بحمص و قدوم عمر إلى الشام أيضا لينصره
فأعجبتهما و وجد لك ديرات ثلاث دير حرقة بنت النعمان، و دير أم عمرو، و دير سلسلة، و بين ذلك خصاص خلال هذه الكوفة، فنزلا فصليا لك و قال كل واحد منهما: اللهم رب السماء و ما أظلت، و رب الأرض و ما أقلت، و رب الريح و ما ذرت، و النجوم و ما هوت، و البحار و ما جرت، و الشياطين و ما أضلت، و الخصاص و ما أجنت، بارك لنا في هذه الكوفة و اجعلها منزل ثبات. ثم كتبا إلى سعد بالخبر، فأمر سعد باختطاط الكوفة، و سار إليها في أول هذه السنة في محرمها، فكان أول بناء وضع فيها المسجد. و أمر سعد رجلا راميا شديد الرمي، فرمى من المسجد إلى الأربع جهات فحيث سقط سهمه بنى الناس منازلهم، و عمر قصرا تلقاء محراب المسجد للامارة و بيت المال، فكان أول ما بنوا المنازل بالقصب، فاحترقت في أثناء السنة، فبنوها باللبن عن أمر عمر، بشرط أن لا يسرفوا و لا يجاوزوا الحد. و بعث سعد إلى الأمراء و القبائل فقدموا عليه، فأنزلهم الكوفة، و أمر سعد أبا هياج الموكل بإنزال الناس فيها بأن يعمروا و يدعوا للطريق المنهج وسع أربعين ذراعا. و لما دون ذلك ثلاثين و عشرين ذراعا، و للازقة سبعة أذرع. و بنى لسعد قصر قريب من السوق، فكانت غوغاء الناس تمنع سعدا من الحديث، فكان يغلق بابه و يقول: سكن الصويت فلما بلغت هذه الكلمة عمر بن الخطاب بعث محمد بن مسلمة، فأمره إذا انتهى إلى الكوفة أن يقدح زناده و يجمع حطبا و يحرق باب القصر ثم يرجع من فوره. فلما انتهى إلى الكوفة فعل ما أمره به عمر، و أمر سعدا أن لا يغلق بابه عن الناس، و لا يجعل على بابه أحدا يمنع الناس عنه، فامتثل ذلك سعد و عرض على محمد بن مسلمة شيئا من المال فامتنع من قبوله، و رجع إلى المدينة، و استمر سعد بعد ذلك في الكوفة ثلاث سنين و نصف، حتى عزله عنها عمر، من غير عجز و لا خيانة.
قصة أبى عبيدة و حصر الروم له بحمص و قدوم عمر إلى الشام أيضا لينصره
و ذلك أن جمعا من الروم عزموا على حصار أبى عبيدة بحمص، و استجاشوا بأهل الجزيرة، و خلق ممن لك، و قصدوا أبا عبيدة، فبعث أبو عبيدة إلى خالد فقدم عليه من قنسرين، و كتب إلى عمر بذلك، و استشار أبو عبيدة المسلمين في أن يناجز الروم أو يتحصن بالبلد حتى يجيء أمر عمر؟ فكلهم أشار بالتحصن، إلا خالدا فإنه أشار بمناجزتهم، فعصاه و أطاعهم. و تحصن بحمص و أحاط به الروم، و كل بلد من بلدان الشام مشغول أهله عنه بأمرهم، و لو تركوا ما هم فيه و أقبلوا إلى حمص لانخرم النظام في الشام كله. و كتب عمر إلى سعد أن يندب الناس مع القعقاع بن عمرو، و يسيرهم إلى حمص من يوم يقدم عليه الكتاب، نجدة لأبى عبيدة فإنه محصور، و كتب إليه أن يجهز حيشا إلى أهل الجزيرة الذين مالئوا الروم على حصار أبى عبيدة و يكون أمير الجيش إلى الجزيرة عياض ابن غنم. فخرج الجيشان معا من الكوفة، القعقاع في أربعة آلاف نحو حمص لنجدة أبى عبيدة،