البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧٠ - وقعة جلولاء
عليهم، و هربت الفرس كل مهرب، و أخذهم المسلمون من كل وجه، و قعدوا لهم كل مرصد، فقتل منهم في ذلك الموقف مائة ألف حتى جللوا وجه الأرض بالقتلى، فلذلك سميت جلولاء. و غنموا من الأموال و السلاح و الذهب و الفضة قريبا مما غنموا من المدائن قبلها و بعث هاشم بن عتبة القعقاع بن عمرو في إثر من انهزم منهم وراء كسرى، فساق خلفهم حتى أدرك مهران منهزما، فقتله القعقاع بن عمرو، و أفلتهم الفيرزان فاستمر منهزما، و أسر سبايا كثيرة بعث بها إلى هاشم بن عتبة، و غنموا دواب كثيرة جدا. ثم بعث هاشم بالغنائم و الأموال إلى عمه سعد بن أبى وقاص فنفل سعد ذوى النجدة ثم أمر بقسم ذلك على الغانمين.
قال الشعبي: كان المال المتحصل من وقعة جلولاء ثلاثين ألف ألف، فكان خمسة ستة آلاف ألف و قال غيره: كان الّذي أصاب كل فارس يوم جلولاء نظير ما حصل له يوم المدائن- يعنى اثنى عشر ألفا لكل فارس- و قيل أصاب كل فارس تسعة آلاف و تسع دواب. و كان الّذي ولى قسم ذلك بين المسلمين و تحصيله، سلمان الفارسي رضى اللَّه عنه. ثم بعث سعد بالأخماس من المال و الرقيق و الدواب مع زياد بن أبى سفيان، و قضاعى بن عمرو، و أبى مقرن الأسود. فلما قدموا على عمر سأل عمر زياد بن أبى سفيان عن كيفية الوقعة فذكرها له، و كان زياد فصيحا، فأعجب إيراده لها عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه، و أحب أن يسمع المسلمون منه ذلك، فقال له: أ تستطيع أن تخطب الناس بما أخبرتنى به؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، إنه ليس أحد على وجه الأرض أهيب عندي منك، فكيف لا أقوى على هذا مع غيرك؟ فقام في الناس فقص عليهم خبر الوقعة، و كم قتلوا، و كم غنموا، بعبارة عظيمة بليغة فقال عمر: إن هذا لهو الخطيب المصقع- يعنى الفصيح- فقال زياد: إن جندنا أطلقوا بالفعال لساننا. ثم حلف عمر بن الخطاب أن لا يجن هذا المال الّذي جاءوا به سقف حتى يقسمه، فبات عبد اللَّه بن أرقم و عبد الرحمن بن عوف يحرسانه في المسجد، فلما أصبح جاء عمر في الناس، بعد ما صلى الغداة و طلعت الشمس، فأمر فكشف عنه جلابيبه، فلما نظر إلى ياقوتة و زبرجده و ذهبه الأصفر و فضته البيضاء، بكى عمر، فقال له عبد الرحمن: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟
فو اللَّه إن هذا لموطن شكر، فقال عمر: و اللَّه ما ذاك يبكيني، و تاللَّه ما أعطى اللَّه هذا قوما إلا تحاسدوا و تباغضوا، و لا تحاسدوا إلا ألقى بأسهم بينهم. ثم قسمه كما قسم أموال القادسية.
و روى سيف بن عمر عن شيوخه أنهم قالوا: و كان فتح جلولاء في ذي القعدة من سنة ستة عشر، و كان بينه و بين فتح المدائن تسعة أشهر و قد تكلم ابن جرير هاهنا فيما رواه عن سيف على ما يتعلق بأرض السواد و خراجها، و موضع تحرير ذلك كتاب الأحكام.
و قد قال هاشم بن عتبة في يوم جلولاء: