البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥٦ - فتح بيت المقدس على يدي عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه
فاستدل على مكانها من كعب الأحبار و أشار عليه كعب أن يجعل المسجد من ورائه فقال ضاهيت اليهودية. ثم جعل المسجد في قبلي بيت المقدس و هو العمرى اليوم ثم نقل التراب عن الصخرة في طرف ردائه و قبائه، و نقل المسلمون معه في ذلك، و سخر أهل الأردن في نقل بقيتها، و قد كانت الروم جعلوا الصخرة مزبلة لأنها قبلة اليهود، حتى أن المرأة كانت ترسل خرقة حيضتها من داخل الحوز لتلقى في الصخرة، و ذلك مكافأة لما كانت اليهود عاملت به القمامة و هي المكان الّذي كانت اليهود صلبوا فيه المصلوب فجعلوا يلقون على قبره القمامة فلأجل ذلك سمى ذلك الموضع القمامة و انسحب هذا الاسم على الكنيسة التي بناها النصارى لك.
و قد كان هرقل حين جاءه الكتاب النبوي و هو بايلياء وعظ النصارى فيما كانوا قد بالغوا في إلقاء الكناسة على الصخرة حتى وصلت إلى محراب داود قال لهم: انكم لخليق أن تقتلوا على هذه الكناسة مما امتهنتم هذا المسجد كما قتلت بنو إسرائيل على دم يحيى بن زكريا ثم أمروا بإزالتها فشرعوا في ذلك فما أزالوا ثلثها حتى فتحها المسلمون فأزالها عمر بن الخطاب و قد استقصى هذا كله بأسانيده و متونه الحافظ بهاء الدين بن الحافظ أبى القاسم بن عساكر في كتابه المستقصى في فضائل المسجد الأقصى.
و ذكر سيف في سياقه: أن عمر رضى اللَّه عنه ركب من المدينة على فرس ليسرع السير بعد ما استخلف عليها على بن أبى طالب، فسار حتى قدم الجابية فنزل بها و خطب بالجابية خطبة طويلة بليغة منها: «أيها الناس أصلحوا سرائركم تصلح علانيتكم، و اعلموا لآخرتكم تكفوا أمر دنياكم، و اعلموا أن رجلا ليس بينه و بين آدم أب حي و لا بينه و بين اللَّه هوادة، فمن أراد لحب (طريق) وجه الجنة فليلزم الجماعة فان الشيطان مع الواحد و هو مع الاثنين أبعد، و لا يخلون أحدكم بامرأة فان الشيطان ثالثهما، و من سرته حسنته و ساءته سيئته فهو مؤمن» و هي خطبة طويلة اختصرناها. ثم صالح عمر أهل الجابية و رحل إلى بيت المقدس و قد كتب إلى أمراء الأجناد أن يوافوه في اليوم الفلاني إلى الجابية فتوافوا أجمعون في ذلك اليوم إلى الجابية، فكان أول من تلقاه يزيد بن أبى سفيان، ثم أبو عبيدة، ثم خالد بن الوليد في خيول المسلمين و عليهم يلامق الديباج، فسار إليهم عمر ليحصبهم فاعتذروا إليه بأن عليهم السلاح، و أنهم يحتاجون إليه في حروبهم. فسكت عنهم و اجتمع الأمراء كلهم بعد ما استخلفوا على أعمالهم، سوى عمرو بن العاص و شرحبيل فإنهما مواقفان الأرطبون بأجنادين، فبينما عمر في الجابية إذا بكردوس من الروم بأيديهم سيوف مسللة، فسار إليهم المسلمون بالسلاح فقال عمر:
إن هؤلاء قوم يستأمنون. فساروا نحوهم فإذا هم جند من بيت المقدس يطلبون الأمان و الصلح من أمير المؤمنين حين سمعوا بقدومه فأجابهم عمر رضى اللَّه عنه إلى ما سألوا، و كتب لهم كتاب أمان