البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥٥ - فتح بيت المقدس على يدي عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه
أجنادين فارجع و لا تغرّ فتلقى مثل ما لقي الذين قبلك من الهزيمة، فدعا عمرو رجلا يتكلم بالرومية فبعثه إلى أرطبون و قال: اسمع ما يقول لك ثم ارجع فأخبرني. و كتب إليه معه: جاءني كتابك و أنت نظيري و مثلي في قومك، لو أخطأتك خصلة تجاهلت فضيلتي و قد علمت أنى صاحب فتح هذه البلاد، و اقرأ كتابي هذا بمحضر من أصحابك و وزرائك. فلما وصله الكتاب جمع وزراءه و قرأ عليهم الكتاب فقالوا للأرطبون: من أين علمت أنه ليس بصاحب فتح هذه البلاد؟ فقال:
صاحبها رجل اسمه على ثلاثة أحرف. فرجع الرسول إلى عمرو فأخبره بما قال فكتب عمرو إلى عمر يستمده و يقول له: إني أعالج حربا كئودا صدوما، و بلادا ادخرت لك، فرأيك. فلما وصل الكتاب إلى عمر علم أن عمرا لم يقل ذلك إلا لأمر علمه، فعزم عمر على الدخول إلى الشام لفتح بيت المقدس كما سنذكر تفصيله.
قال سيف بن عمر عن شيوخه: و قد دخل عمر الشام أربع مرات، الأولى كان راكبا فرسا حين فتح بيت المقدس، و الثانية على بعير، و الثالثة وصل إلى سرع ثم رجع لأجل ما وقع بالشام من الوباء. و الرابعة دخلها على حمار هكذا نقله ابن جرير عنه.
فتح بيت المقدس على يدي عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه
ذكره أبو جعفر بن جرير في هذه السنة عن رواية سيف بن عمر و ملخص ما ذكره هو و غيره أن أبا عبيدة لما فرغ من دمشق كتب إلى أهل إيليا يدعوهم إلى اللَّه و إلى الإسلام، أو يبذلون الجزية أو يؤذنوا بحرب. فأبوا أن يجيبوا إلى ما دعاهم إليه. فركب إليهم في جنوده و استخلف على دمشق سعيد بن زيد ثم حاصر بيت المقدس و ضيق عليهم حتى أجابوا إلى الصلح بشرط أن يقدم إليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. فكتب إليه أبو عبيدة بذلك فاستشار عمر الناس في ذلك فأشار عثمان بن عفان بأن لا يركب إليهم ليكون أحقر لهم و أرغم لأنوفهم. و أشار على بن أبى طالب بالمسير إليهم ليكون أخف وطأة على المسلمين في حصارهم بينهم، فهوى ما قال على و لم يهو ما قال عثمان. و سار بالجيوش نحوهم و استخلف على المدينة على بن أبى طالب و سار العباس بن عبد المطلب على مقدمته، فلما وصل إلى الشام تلقاه أبو عبيدة و رءوس الأمراء، كخالد بن الوليد، و يزيد بن أبى سفيان، فترجل أبو عبيدة و ترجل عمر فأشار أبو عبيدة ليقبل يد عمر فهم عمر بتقبيل رجل أبى عبيدة فكف أبو عبيدة فكف عمر. ثم سار حتى صالح نصارى بيت المقدس و اشترط عليهم إجلاء الروم الى ثلاث ثم دخلها إذ دخل المسجد من الباب الّذي دخل منه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ليلة الاسراء. و يقال إنه لبى حين دخل بيت المقدس فصلى فيه تحية المسجد بمحراب داود، و صلى بالمسلمين فيه صلاة الغداة من الغد فقرأ في الأولى بسورة ص و سجد فيها و المسلمون معه، و في الثانية بسورة بنى إسرائيل، ثم جاء إلى الصخرة