البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤٨ - فصل
و قال أبو مخنف عن مجالد عن الشعبي رضى اللَّه عنهم: إن عمر بعث عتبة بن غزوان إلى أرض البصرة في ثلاثمائة و بضعة عشر رجلا، و سار إليه من الأعراب ما كمل معه خمسمائة، فنزلها في ربيع الأول سنة أربع عشرة، و البصرة يومئذ تدعى أرض الهند فيها حجارة بيض خشنة، و جعل يرتاد لهم منزلا حتى جاءوا حيال الجسر الصغير فإذا فيه حلفا و قصب نابت، فنزلوا. فركب إليهم صاحب الفرات في أربعة آلاف أسوار، فالتقاه عتبة بعد ما زالت الشمس، و أمر الصحابة فحملوا عليهم فقتلوا الفرس عن آخرهم، و أسروا صاحب الفرات، و قام عتبة خطيبا فقال في خطبته: إن الدنيا قد آذنت بصرم، و ولت حذاء، و لم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء، و إنكم منتقلون منها إلى دار القرار، فانتقلوا عما بحضرتكم، فقد ذكر لي لو أن صخرة ألقيت من شفير جهنم هوت سبعين خريفا و لتملأنه، أو عجبتم؟ و لقد ذكر لي أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين عاما، و ليأتين عليه يوم و هو كظيظ من الزحام، و لقد رأيتني و أنا سابع سبعة، و أنا مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ما لنا طعام إلا ورق السّمر، حتى تقرحت أشداقنا، و التقطت بردة فشققتها بيني و بين سعد، فما منا من أولئك السبعة من أحد إلا هو أمير على مصر من الأمصار، و سيجربون الناس بعدنا.
و هذا الحديث في صحيح مسلم بنحو من هذا السياق.
و روى على بن محمد المدائني أن عمر كتب إلى عتبة بن غزوان حين وجهه إلى البصرة: يا عتبة إني استعملتك على أرض الهند و هي حومة من حومة العدو، و أرجو أن يكفيك اللَّه ما حولها، و أن يعينك عليها، و قد كتبت إلى العلاء بن الحضرميّ يمدك بعرفجة بن هرثمة. فإذا قدم عليك فاستشره و قربه، و ادع إلى اللَّه، فمن أجابك فاقبل منه، و من أبى فالجزية عن صغار و ذلة، و إلا فالسيف في غير هوادة، و اتّق اللَّه فيما وليت، و إياك أن تنازعك نفسك إلى كبر فتفسد عليك آخرتك، و قد صحبت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فعززت بعد الذلة، و قويت بعد الضعف، حتى صرت أميرا مسلطا، و ملكا مطاعا، تقول فيسمع منك، و تأمر فيطاع أمرك، فيا لها نعمة إذا لم ترق فوق قدرك، و تبطر على من دونك، احتفظ من النعمة احتفاظك من المعصية، و هي أخوفهما عندي عليك أن يستدرجك و يخدعك فتسقط سقطة فتصير بها إلى جهنم، أعيذك باللَّه و نفسي من ذلك، إن الناس أسرعوا إلى اللَّه حتى رفعت لهم الدنيا فأرادوها، فأرد اللَّه و لا ترد الدنيا، و اتّق مصارع الظالمين.
و قد فتح عتبة الأيلة في رجب أو شعبان من هذه السنة. و لما مات عتبة بن غزوان في هذه السنة استعمل عمر على البصرة المغيرة بن شعبة سنتين، فلما رمى بما رمى به عزله و ولى عليها أبا موسى الأشعري رضى اللَّه عنهم. و في هذه السنة ضرب عمر بن الخطاب ابنه عبيد اللَّه في الشراب هو و جماعة معه، و فيها ضرب أبا محجن الثقفي في الشراب أيضا سبع مرات، و ضرب معه ربيعة بن أمية بن