البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٣٤
و قد تقدم ذلك في فضائل الشيخين رضى اللَّه عنهما و أرضاهما. قال الامام أحمد: حدثنا سليمان بن داود ثنا أبو عوانة عن أبى بلج عن عمرو بن ميمون عن ابن عباس قال: «أول من صلى- و في رواية أسلم- مع رسول اللَّه بعد خديجة على بن أبى طالب» و رواه الترمذي من حديث شعبة عن أبى بلج به و قد روى عن زيد بن أرقم و أبى أيوب الأنصاري أنه صلى قبل الناس بسبع سنين و هذا لا يصح من أي وجه كان روى عنه. و قد ورد في أنه أول من أسلم من هذه الأمة أحاديث كثيرة لا يصح منها شيء، و أجود ما في ذلك ما ذكرنا. على أنه قد خولف فيه و قد اعتنى الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر في تاريخه بتطريق هذه الروايات، فمن أراد كشف ذلك فعليه بكتابه التاريخ و اللَّه الموفق للصواب. و قد روى الترمذي و النسائي عن عمرو بن مرة عن طلحة بن زيد عن زيد ابن أرقم قال: «أول من أسلم على» قال الترمذي: حسن صحيح. و صحب على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) مدة مقامه بمكة، و كان عنده في المنزل و في كفالته في حياة أبيه لفقر حصل لأبيه في بعض السنين مع كثرة العيال، ثم استمر في نفقة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بعد ذلك إلى زمن الهجرة، و قد خلفه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ليؤدى ما كان عنده (عليه السلام) من ودائع الناس، فإنه كان يعرف في قومه بالأمين، فكانوا يودعونه الأموال و الأشياء النفيسة ثم هاجر على بعد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و صحب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى أن توفى و هو راض عنه و حضر معه مشاهده كلها و جرت له مواقف شريفة بين يديه في مواطن الحرب كما بينا ذلك في السيرة بما أغنى عن إعادته هاهنا، كيوم بدر و أحد و الأحزاب و خيبر و غيرها،
و لما استخلفه عام تبوك على أهله بالمدينة قال: «أما ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي»
و قد ذكرنا تزويجه فاطمة بنت رسول اللَّه و دخوله بها بعد وقعة بدر بما أغنى عن إعادته.
و لما رجع (عليه السلام) من حجة الوداع فكان بين مكة و المدينة بمكان يقال له غدير خم خطب الناس هنالك في اليوم الثاني عشر من ذي الحجة فقال في خطبته: «من كنت مولاه فعلى مولاه» و في بعض الروايات: «اللَّهمّ وال من والاه و عاد من عاداه و انصر من نصره و اخذل من خذله»
و المحفوظ الأول، و إنما كان سبب هذه الخطبة و التنبيه على فضله ما ذكره ابن إسحاق من أن عليا لما بعثه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى اليمن أميرا هو و خالد بن الوليد و رجع على فوافى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بمكة في حجة الوداع و قد كثرت فيه المقالة و تكلم فيه بعض من كان معه بسبب استرجاعه منهم خلعا كان خلعها نائبة عليهم لما تعجل السير إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فلما تفرغ رسول اللَّه من حجة الوداع أحب أن يبرئ ساحة على مما نسب إليه من القول الّذي لا أصل له، و قد اتخذت الروافض هذا اليوم عيدا، فكانت تضرب فيه الطبول ببغداد في أيام بنى بويه في حدود الأربعمائة كما سننبه عليه إذا انتهينا إليه إن شاء اللَّه. ثم بعد ذلك بنحو من عشرين يوما تعلق المسوح على أبواب