البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢٠ - ثم دخلت سنة تسع و ثلاثين
امتنع من إعطائه فليقتله ثم يأتى المدينة و مكة و الحجاز. فسار إلى تيماء و اجتمع عليه بشر كثير، فلما بلغ عليا بعث المسيب بن نجيبة الفزاري في ألفى رجل فالتقوا بتيماء فاقتتلوا قتالا شديدا عند زوال الشمس، و حمل المسيب بن نجية على ابن مسعدة فضربه ثلاث ضربات و هو لا يريد قتله بل يقول له: النجا النجا، فانحاز ابن مسعدة في طائفة من قومه إلى حصن هناك فتحصنوا به و هرب بقيتهم إلى الشام، و انتهبت الأعراب ما كان جمعه ابن نجية من إبل الصدقة، و حاصرهم المسيب بن نجية ثلاثة أيام ثم ألقى الحطب على الباب و ألهب فيه النار، فلما أحسوا بالهلاك أشرفوا من الحصن، و متوا إليه بأنهم من قومه فرق لهم و أطفأ النار، فلما كان الليل فتح باب الحصن و خرجوا هرابا إلى الشام، فقال عبد الرحمن بن شبيب للمسيب بن نجية: سر حتى ألحقهم! فقال: لا! فقال: غششت أمير المؤمنين داهنت في أمرهم. و فيها وجه معاوية الضحاك بن قيس في ثلاثة آلاف و أمره أن يغير على أطراف جيش على، فجهز على حجر بن عدي في أربعة آلاف و أنفق فيهم خمسين درهما خمسين درهما، فالتقوا بتدمر فقتل من أصحاب الضحاك تسعة عشر رجلا، و من أصحاب حجر بن عدي رجلان، و غشيهم الليل فتفرقوا، و استمر الضحاك بأصحابه فارا إلى الشام. و فيها سار معاوية بنفسه في جيش كثيف حتى بلغ دجلة ثم كر راجعا. ذكره محمد بن سعد عن الواقدي باسناده و أبو معشر أيضا و في هذه السنة ولى على بن أبى طالب زياد بن أبيه على أرض فارس، و كانوا قد منعوا الخراج و الطاعة، و سبب ذلك حين قتل ابن الحضرميّ و أصحابه بالنار حين حرقهم جارية بن قدامة في تلك الدار كما قدمنا، فلما اشتهر هذا الصنيع في البلاد تشوش قلوب كثير من الناس على على، و اختلفوا على على، و منع أكثر أهل تلك النواحي خراجهم، و لا سيما أهل فارس فإنهم تمردوا و أخرجوا عاملهم سهل بن حنيف- كما تقدم في العام الماضي- من بين أظهرهم، فاستشار على الناس فيمن يوليه عليهم،
فأشار ابن عباس و جارية بن قدامة أن يولى عليهم زياد بن أبيه، فإنه صليب الرأى، عالم بالسياسة.
فقال على: هو لها،
فولاه فارس و كرمان و جهزه إليهما في أربعة آلاف فارس، فسار إليها في هذه السنة فدوخ أهلها و قهرهم حتى استقاموا و أدوا الخراج و ما كان عليهم من الحقوق، و رجعوا إلى السمع و الطاعة، و سار فيهم بالمعدلة و الأمانة، حتى كان أهل تلك البلاد يقولون: ما رأينا سيرة أشبه بسيرة كسرى أنوشروان من سيرة هذا العربيّ في اللين و المداراة و العلم بما يأتى، و صفت له تلك البلاد بعدله و علمه و صرامته، و اتخذ للمال قلعة حصينة، فكانت تعرف بقلعة زياد، ثم لما تحصن فيها منصور اليشكري فيما بعد ذلك عرفت به فكان يقال لها قلعة منصور.
قال الواقدي: و في هذه السنة بعث على بن أبى طالب عبد اللَّه بن عباس على الموسم و بعث معاوية يزيد بن سخبرة الرهاوي ليقيم للناس الحج فلما اجتمعا بمكة تنازعا و أبى كل واحد