البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١٦ - فصل
فقام إليه مالك بن كعب الأوسي فندب الناس إلى امتثال أمر على و السمع و الطاعة له فانتدب ألفان فأمر عليهم مالك بن كعب هذا فسار بهم خمسا، ثم قدم على عليّ جماعة ممن كان مع محمد بن أبى بكر بمصر فأخبروه كيف وقع الأمر و كيف قتل محمد بن أبى بكر و كيف استقر أمر عمرو بها، فبعث إلى مالك بن كعب فرده من الطريق- و ذلك أنه خشي عليهم من أهل الشام قبل وصولهم إلى مصر و استقر أمر العراقيين على مخالفة على فيما يأمرهم به و ينهاهم عنه، و الخروج عليه و البعد عن أحكامه و أقواله و أفعاله، لجهلهم و قلة عقلهم و جفائهم و غلظتهم و فجور كثير منهم، فكتب على عند ذلك إلى ابن عباس- و هو نائبة على البصرة- يشكو إليه ما يلقاه من الناس من المخالفة و المعاندة، فرد عليه ابن عباس يسليه في ذلك، و يعزيه في محمد بن أبى بكر و يحثه على تلافى الناس و الصبر على مسيئهم، فان ثواب اللَّه خير من الدنيا، ثم ركب ابن عباس من البصرة إلى على و هو بالكوفة و استخلف ابن عباس على البصرة زيادا، و في هذا الحين بعث معاوية بن أبى سفيان كتابا مع عبد اللَّه بن عمرو الحضرميّ إلى أهل البصرة يدعوهم إلى الإقرار بما حكم له عمرو بن العاص، فلما قدمها نزل على بنى تميم فأجاروه فنهض إليه زياد و بعث إليه أعين بن ضبيعة في جماعة من الناس فساروا إليهم فاقتتلوا فقتل أعين بن ضبيعة، فكتب زياد إلى على يعلمه بما وقع بالبصرة بعد خروج ابن عباس منها، فبعث عند ذلك على جارية بن قدامة التميمي في خمسين رجلا إلى قومه بنى تميم، و كتب معه كتابا إليهم فرجع أكثرهم عن ابن الحضرميّ و قصده جارية فحصره في دار هو و جماعة معه، قيل: كان عددهم أربعين، و قيل سبعين، فحرقهم بالنار بعد أن أعذر إليهم و أنذرهم فلم يقبلوا و لم يرجعوا عما جاءوا له.
فصل
و قد صحح ابن جرير أن قتال على لأهل النهروان كان في هذه السنة، و كذلك خروج الحريث ابن راشد الناجي كان في هذه السنة أيضا، و كان مع الحريث ثلاثمائة رجل من قومه بنى ناجية- و كان مع على بالكوفة-
فجاء إلى على فقام بين يديه و قال: و اللَّه يا على لا أطيع أمرك و لا أصلى خلفك، إني لك غدا لمفارق. فقال له على: ثكلتك أمك إذا تعصى ربك و تنقض عهدك و لا تضر إلا نفسك، و لم تفعل ذلك؟
قال: لأنك حكمت في الكتاب و ضعفت عن قيام الحق إذ جد الجد، و ركنت إلى القوم الظالمين، فانا عليك زارى و عليك ناقم، و إنا لكم جميعا مباينون. ثم رجع إلى أصحابه فسار بهم نحو بلاد البصرة فبعث إليهم معقل بن قيس ثم أردفه بخالد بن معدان الطائي- و كان من أهل الصلاح و الدين و البأس و النجدة- و أمره أن يسمع له و يطيع، فلما اجتمعوا صاروا جيشا واحدا، ثم خرجوا في آثار الحريث و أصحابه فلحقوهم- و قد أخذوا في جبال رامهرمز- قال فصففنا لهم ثم أقبلنا