البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١٤ - ثم دخلت سنة ثمان و ثلاثين
بجهادك و لن يسلمك اللَّه من القصاص أينما كنت و السلام. قال: فطوى محمد بن أبى بكر الكتابين و بعث بهما إلى على و أعلمه بقدوم عمرو إلى مصر في جيش من قبل معاوية، فان كانت لك بأرض مصر حاجة فابعث إلى بأموال و رجال و السلام. فكتب إليه يأمره بالصبر و بمجاهدة العدو، و أنه سيبعث إليه الرجال و الأموال، و يمده بما أمكنه من الجيوش. و كتب محمد بن أبى بكر كتابا إلى معاوية في جواب ما قال و فيه غلظة، و كذلك كتب إلى عمرو بن العاص و فيه كلام غليظ و قام محمد ابن أبى بكر في الناس فخطبهم و حثهم على الجهاد و مناجزة من قصدهم من أهل الشام، و تقدم عمرو ابن العاص إلى مصر في جيوشه، و من لحق به من العثمانية المصريين، و الجميع في قريب من ستة عشر ألفا، و ركب محمد بن أبى بكر في ألفى فارس الذين انتدبوا معه من المصريين و قدم على جيشه بين يديه كنانة بن بشر فجعل لا يلقاه أحد من الشاميين إلا قاتلهم حتى يلحقهم مغلوبين إلى عمرو ابن العاص، فبعث عمرو بن العاص إليه معاوية بن خديج فجاءه من ورائه و أقبل إليه الشاميون حتى أحاطوا به من كل جانب، فترجل عند ذلك كنانة و هو يتلو وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا الآية، ثم قاتل حتى قتل و تفرق أصحاب محمد بن أبى بكر عنه و رجع يمشى فرأى خربة فآوى إليها و دخل عمرو بن العاص فسطاط مصر و ذهب معاوية بن خديج في طلب محمد بن أبى بكر فمر بعلوج في الطريق فقال لهم: هل مر بكم أحد تستنكرونه؟ قالوا: لا! فقال رجل منهم:
إني رأيت رجلا جالسا في هذه الخربة، فقال: هو هو و رب الكعبة: فدخلوا عليه فاستخرجوه منها- و قد كاد يموت عطشا- فانطلق أخوه عبد الرحمن بن أبى بكر إلى عمرو بن العاص- و كان قد قدم معه إلى مصر- فقال: أ يقتل أخى صبرا؟ فبعث عمرو بن العاص إلى معاوية بن خديج أن يأتيه بمحمد بن أبى بكر و لا يقتله فقال معاوية: كلا و اللَّه، أ يقتلون كنانة بن بشر و أترك محمد بن أبى بكر، و قد كان ممن قتل عثمان و قد سألهم عثمان الماء، و قد سألهم محمد بن أبى بكر أن يسقوه شربة من الماء فقال معاوية: لا سقاني اللَّه إن سقيتك قطرة من الماء أبدا، إنكم منعتم عثمان أن يشرب الماء حتى قتلتموه صائما محرما فتلقاه اللَّه بالرحيق المختوم. و قد ذكر ابن جرير و غيره أن محمد بن أبى بكر نال من معاوية بن خديج هذا و من عمرو بن العاص و من معاوية و من عثمان بن عفان أيضا، فعند ذلك غضب معاوية بن خديج فقدمه فقتله ثم جعله في جيفة حمار فأحرقه بالنار، فلما بلغ ذلك عائشة جزعت عليه جزعا شديدا و ضمت عياله إليها، و كان فيهم ابنه القاسم و جعلت تدعو على معاوية و عمرو بن العاص دبر الصلوات.
و ذكر الواقدي أن عمرو بن العاص قدم مصر في أربعة آلاف فيهم أبو الأعور السلمي فالتقوا مع المصريين بالمسناة فاقتتلوا قتالا شديدا حتى قتل كنانة بن بشر بن عتاب التجيبي، فهرب عند