البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١٣ - ثم دخلت سنة ثمان و ثلاثين
تأسف على شجاعته و غنائه، و كتب إلى محمد بن أبى بكر باستقراره و استمراره بديار مصر، غير أنه ضعف جأشه مع ما كان فيه من الخلاف عليه من العثمانية الذين ببلد خربتا و قد كانوا استفحل أمرهم حين انصرف على من صفين، و حين كان من أمر التحكيم ما كان، و حين نكل أهل العراق عن قتال أهل الشام، و قد كان أهل الشام حين انقضت الحكومة بدومة الجندل سلموا على معاوية بالخلافة و قوى أمرهم جدا، فعند ذلك جمع معاوية أمراءه عمرو بن العاص، و شرحبيل بن السمط و عبد الرحمن ابن خالد بن الوليد، و الضحاك بن قيس، و بسر بن أبى أرطاة، و أبا الأعور السلمي، و حمزة بن سنان الهمدانيّ و غيرهم، فاستشارهم في المسير إلى ديار مصر فاستجابوا له و قالوا: سر حيث شئت فنحن معك، و عين معاوية نيابتها لعمرو بن العاص إذا فتحها ففرح بذلك عمرو بن العاص، ثم قال عمرو لمعاوية: أرى أن تبعث إليهم رجالا مع رجل مأمون عارف بالحرب، فان بها جماعة ممن يوالي عثمان فيساعدونه على حرب من خالفهم، فقال معاوية: لكن أرى أن أبعث إلى شيعتنا ممن هنالك كتابا يعلمهم بقدومهم عليهم، و نبعث إلى مخالفينا كتابا ندعوهم فيه إلى الصلح. و قال معاوية: إنك يا عمرو رجل بورك لك في العجلة و إني امرؤ بورك لي في التؤدة، فقال عمرو: افعل ما أراك اللَّه، فو اللَّه ما أمرك و أمرهم الا سيصير إلى الحرب العوان، فكتب عند ذلك معاوية إلى مسلمة بن مخلد الأنصاري، و إلى معاوية بن خديج السكونيّ- و هما رئيسا العثمانية ببلاد مصر ممن لم يبايع عليا و لم يأتمر بأمر نوابه بمصر في نحو من عشرة آلاف- يخبرهم بقدوم الجيش عليهم سريعا، و بعث به مع مولى له يقال له سبيع، فلما وصل الكتاب إلى مسلمة و معاوية بن خديج فرحا به و ردا جوابه بالاستبشار و المعاونة و المناصرة له و لمن يبعثه من الجيوش و الجند و المدد إن شاء اللَّه تعالى، فعند ذلك جهز معاوية عمرو بن العاص في ستة آلاف، و خرج معاوية مودعا و أوصاه بتقوى اللَّه و الرّفق و المهل و التؤدة، و إن يقتل من قاتل و يعفو عمن أدبر، و أن يدعو الناس إلى الصلح و الجماعة، فإذا أنت ظهرت فليكن أنصارك آثر الناس عندك، فسار عمرو بن العاص إلى مصر، فلما قدمها اجتمعت عليه العثمانية فقادهم، و كتب عمرو بن العاص إلى محمد بن أبى بكر: أما بعد فتنح فانى لا أحب أن يصيبك منى ظفر، فان الناس قد اجتمعوا بهذه البلاد على خلافك و رفض أمرك، و ندموا على اتباعك، فهم مسلموك لو قد التقت حلقتا البطان، فاخرج منها فانى لك لمن الناصحين و السلام. و بعث إليه عمرو أيضا بكتاب معاوية إليه: أما بعد فان غب البغي و الظلم عظيم الوبال، و إن سفك الدم الحرام لا يسلم صاحبه من النقمة في الدنيا و التبعة الموبقة في الآخرة و إنا لا نعلم أحدا كان أشد خلافا على عثمان منك حين تطعن بمشاقصك بين حشاشته و أوداجه، ثم إنك تظن أنى عنك نائم أو ناس ذلك لك، حتى تأتى فتأمر على بلاد أنت بها جاري و جل أهلها أنصارى و قد بعثت إليك بجيوش يتقربون إلى اللَّه