البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٩ - وقعة البويت التي اقتص فيها المسلمون من الفرس
فضرب أعناقهم. ثم أرسل المثنى إلى من بالعراق من أمراء المسلمين يستمدهم، فبعثوا إليه بالأمداد، و بعث إليه عمر بن الخطاب بمدد كثير فيهم جرير بن عبد اللَّه البجلي، في قومه بجيلة بكمالها، و غيره من سادات المسلمين حتى كثر جيشه.
وقعة البويت التي اقتص فيها المسلمون من الفرس
فلما سمع بذلك أمراء الفرس، و بكثرة جيوش المثنى، بعثوا إليه جيشا آخر مع رجل يقال له مهران فتوافوا هم و إياهم بمكان يقال له «البويت» قريب من مكان الكوفة اليوم و بينهما الفرات.
فقالوا: إما أن تعبروا إلينا، أو نعبر إليكم. فقال المسلمون: بل اعبروا إلينا. فعبرت الفرس إليهم فتواقفوا، و ذلك في شهر رمضان. فعزم المثنى على المسلمين في الفطر فأفطروا عن آخرهم ليكون أقوى لهم، و عبى الجيش، و جعل يمر على كل راية من رايات الأمراء على القبائل و يعظهم و يحثهم على الجهاد و الصبر و الصمت. و في القوم جرير بن عبد اللَّه البجلي في بجيلة و جماعة من سادات المسلمين. و قال المثنى لهم: إني مكبر ثلاث تكبيرات فتهيئوا، فإذا كبرت الرابعة فاحملوا. فقابلوا قوله بالسمع و الطاعة و القبول. فلما كبر أول تكبيرة عاجلتهم الفرس فحملوا حتى غالقوهم، و اقتتلوا قتالا شديدا، و رأى المثنى في بعض صفوفه خللا، فبعث إليهم رجلا يقول: الأمير يقرأ عليكم السلام و يقول لكم: لا تفضحوا العرب اليوم فاعتدلوا. فلما رأى ذلك منهم- و هم بنو عجل- أعجبه و ضحك. و بعث إليهم يقول: يا معشر المسلمين عاداتكم، انصروا اللَّه ينصركم. و جعل المثنى و المسلمون يدعون اللَّه بالظفر و النصر. فلما طالت مدة الحرب جمع المثنى جماعة من أصحابه الأبطال يحمون ظهره، و حمل على مهران فأزاله عن موضعه حتى دخل الميمنة، و حمل غلام من بنى تغلب نصراني فقتل مهران و ركب فرسه. كذا ذكره سيف بن عمر.
و قال محمد بن إسحاق بل حمل عليه المنذر بن حسان بن ضرار الضبيّ فطعنه و احتز رأسه جرير بن عبد اللَّه البجلي، و اختصما في سلبه، فأخذ جرير السلاح و أخذ المنذر منطقته. و هربت المجوس و ركب المسلمون أكتافهم يفصلونهم فصلا. و سبق المثنى بن حارثة إلى الجسر فوقف عليه ليمنع الفرس من الجواز عليه ليتمكن منهم المسلمون. فركبوا أكتافهم بقية ذلك اليوم و تلك الليلة، و من أبعد إلى الليل فيقال إنه قتل منهم يومئذ و غرق قريب من مائة ألف و للَّه الحمد و المنة. و غنم المسلمون مالا جزيلا و طعاما كثيرا، و بعثوا بالبشارة و الأخماس إلى عمر رضى اللَّه عنه. و قد قتل من سادات المسلمين في هذا اليوم بشر كثير أيضا. و ذلت لهذه الوقعة رقاب الفرس و تمكن الصحابة من الغارات في بلادهم فيما بين الفرات و دجلة فغنموا شيئا عظيما لا يمكن حصره. و جرت أمور يطول ذكرها بعد يوم البويت و كانت هذه الواقعة بالعراق نظير اليرموك بالشام. و قد قال الأعور الشنى العبديّ في ذلك:-