البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨ - وقعة جسر أبى عبيد التي قتل فيها أمير المسلمين و خلق كثير منهم
إليهم فاجتمعوا في مكان ضيق لك فاقتتلوا قتالا شديدا لم يعهد مثله و المسلمون في نحو من عشرة آلاف و قد جاءت الفرس معهم بأفيلة كثيرة عليها الجلاجل، قائمة لتذعر خيول المسلمين فجعلوا كلما حملوا على المسلمين فرت خيولهم من الفيلة و مما تسمع من الجلاجل التي عليها و لا يثبت منها الا القليل على قسر. و إذا حمل المسلمون عليهم لا تقدم خيولهم عل الفيلة و رشقتهم الفرس بالنبل، فنالوا منهم خلقا كثيرا و قتل المسلمون منهم مع ذلك ستة آلاف. و أمر أبو عبيد المسلمين أن يقتلوا الفيلة أولا، فاحتوشوها فقتلوها عن آخرها، و قد قدمت الفرس بين أيديهم فيلا عظيما أبيض، فتقدم إليه أبو عبيد فضربه بالسيف فقطع زلومه فحمى الفيل، و صاح صيحة هائلة و حمل فتخبطه برجليه فقتله و وقف فوقه فحمل على الفيل خليفة أبى عبيد الّذي كان أوصى أن يكون أميرا بعده فقتل، ثم آخر ثم آخر حتى قتل سبعة من ثقيف كان قد نص أبو عبيد عليهم واحدا بعد واحد، ثم صارت الى المثنى بن حارثة بمقتضى الوصية أيضا. و قد كانت دومة امرأة أبى عبيد رأت مناما يدل على ما وقع سواء بسواء. فلما رأى المسلمون ذلك وهنوا عند ذلك و لم يكن بقي إلا الظفر بالفرس، و ضعف أمرهم، و ذهب ريحهم، و ولوا مدبرين، و ساقت الفرس خلفهم فقتلوا بشرا كثيرا، و انكشف الناس فكان أمرا بليغا و جاءوا إلى الجسر فمر بعض الناس. ثم انكسر الجسر فتحكم فيمن وراءه الفرس فقتلوا من المسلمين و غرق في الفراة نحوا من أربعة آلاف. ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ.
و سار المثنى بن حارثة فوقف عند الجسر الّذي جاءوا منه، و كان الناس لما انهزموا جعل بعضهم يلقى بنفسه في الفرات فيغرق، فنادى المثنى. أيها الناس على هينتكم فانى واقف على فم الجسر لا أجوزه حتى لا يبقى منكم أحد هاهنا، فلما عدّى الناس إلى الناحية الأخرى سار المثنى فنزل بهم أول منزل، و قام يحرسهم هو و شجعان المسلمين، و قد جرح أكثرهم و أثخنوا. و من الناس من ذهب في البرية لا يدرى أين ذهب، و منهم من رجع إلى المدينة النبويّة مذعورا، و ذهب بالخبر عبد اللَّه بن زيد بن عاصم المازني إلى عمر بن الخطاب فوجده على المنبر، فقال له عمر: ما وراءك يا عبد اللَّه بن زيد؟ فقال: أتاك الخبر اليقين يا أمير المؤمنين، ثم صعد إليه المنبر فأخبره الخبر سرا، و يقال كان أول من قدم بخبر الناس عبد اللَّه بن يزيد بن الحصين الحطمى فاللَّه أعلم.
قال سيف بن عمرو كانت هذه الوقعة في شعبان من سنة ثلاث [عشرة] بعد اليرموك بأربعين يوما فاللَّه أعلم، و تراجع المسلمون بعضهم إلى بعض و كان منهم من فر إلى المدينة فلم يؤنب عمر الناس بل قال أنا فيئكم و أشغل اللَّه المجوس بأمر ملكهم. و ذلك أن أهل المدائن عدوا على رستم فخلعوه ثم ولوه و أضافوا إليه الفيرزان، و اختلفوا على فرقتين، فركب الفرس إلى المدائن و لحقهم المثنى بن حارثة في نفر من المسلمين، فعارضه أميران من أمرائهم في جيشهم، فأسرهما و أسر معهما بشرا كثيرا