البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٤ - رفع أهل الشام المصاحف
بما حاصله: إن كان أول قتالكم هؤلاء حقا فاستمروا عليه، و إن كان باطلا فاشهدوا لقتلاكم بالنار، فقالوا: دعنا منك فانا لا نطيعك و لا صاحبك أبدا، و نحن قاتلنا هؤلاء في اللَّه، و تركنا قتالهم للَّه، فقال لهم الأشتر: خدعتم و اللَّه فانخدعتم، و دعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم، يا أصحاب السوء كنا نظن صلاتكم زهادة في الدنيا و شوقا إلى لقاء اللَّه، فلا أرى فراركم إلا إلى الدنيا من الموت، يا أشباه النيب الجلالة ما أنتم بربانيين بعدها. فابعدوا كما بعد القوم الظالمون. فسبوه و سبهم فضربوا وجه دابته بسياطهم، و جرت بينهم أمور طويلة، و رغب أكثر الناس من العراقيين و أهل الشام بكمالهم إلى المصالحة و المسالمة مدة لعله يتفق أمر يكون فيه حقن لدماء المسلمين، فان الناس تفانوا في هذه المدة، و لا سيما في هذه الثلاثة الأيام المتأخرة التي آخر أمرها ليلة الجمعة و هي ليلة الهرير. كل من الجيشين فيه من الشجاعة و الصبر ما ليس يوجد في الدنيا مثله، و لهذا لم يفر أحد عن أحد، بل صبروا حتى قتل من الفريقين فيما ذكره غير واحد سبعون ألفا. خمسة و أربعون ألفا من أهل الشام، و خمسة و عشرون ألفا من أهل العراق. قاله غير واحد منهم ابن سيرين و سيف و غيره. و زاد أبو الحسن ابن البراء- و كان في أهل العراق- خمسة و عشرون بدريا، قال: و كان بينهم في هذه المدة تسعون زحفا و اختلفا في مدة المقام بصفين فقال سيف: سبعة أشهر أو تسعة أشهر. و قال أبو الحسن بن البراء مائة و عشرة أيام. قلت: و مقتضى كلام أبى مخنف أنه كان من مستهل ذي الحجة في يوم الجمعة لثلاث عشرة خلت من صفر و ذلك سبعة و سبعون يوما فاللَّه أعلم، و قال الزهري: بلغني أنه كان يدفن في القبر الواحد خمسون نفسا. هذا كله ملخص من كلام ابن جرير و ابن الجوزي في المنتظم و قد روى البيهقي من طريق يعقوب بن سفيان عن أبى اليمان عن صفوان بن عمرو كان أهل الشام ستين ألفا فقتل منهم عشرون ألفا، و كان أهل العراق مائة و عشرين ألفا فقتل منهم أربعون ألفا. و حمل البيهقي هذه الوقعة على الحديث الّذي أخرجاه في الصحيحين من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه عن أبى هريرة و رواه البخاري من حديث شعيب عن الزهري عن أبى سلمة عن أبى هريرة،
و من حديث شعيب عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) انه قال: «لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان يقتل بينهما مقتلة عظيمة و دعواهما واحدة».
و رواه مجالد عن أبى الحواري عن أبى سعيد مرفوعا مثله
و رواه الثوري عن ابن جدعان عن أبى نضرة عن أبى سعيد. قال قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): «لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان دعوتهما واحدة فبينما هم كذلك مرق منهما مارقة تقتلهم أولى الطائفتين بالحق»
و قد تقدم ما
رواه الامام أحمد عن مهدي و إسحاق عن سفيان عن منصور عن ربعي بن خراش عن البراء بن ناجية الكاهلي عن ابن مسعود. قال قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): «إن رحى الإسلام ستزول لخمس و ثلاثين أو ست