البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٣ - رفع أهل الشام المصاحف
رفعوها إلا خديعة و دهاء و مكيدة. فقالوا له: ما يسعنا أن ندعى إلى كتاب اللَّه فنأبى أن نقبله. فقال لهم: إني إنما أقاتلهم ليدينوا بحكم الكتاب فإنهم قد عصوا اللَّه فيما أمرهم به، و تركوا عهده، و نبذوا كتابه.
فقال له مسعر بن فدكي التميمي و زيد بن حصين الطائي ثم السبائى في عصابة معهما من القراء الذين صاروا بعد ذلك خوارج، يا على أجب إلى كتاب اللَّه إذ دعيت إليه و إلا دفعناك برمتك إلى القوم أو نفعل بك ما فعلنا بابن عفان، إنه غلبنا أن يعمل بكتاب اللَّه فقتلناه، و اللَّه لتفعلنها أو لنفعلنها بك. قال: فاحفظوا عنى نهيي إياكم و احفظوا مقالتكم لي، أما أنا فان تطيعوني فقاتلوا، و إن تعصوني فاصنعوا ما بدا لكم،
قالوا: فابعث إلى الأشتر فليأتك و يكف عن القتال، فبعث إليه على ليكف عن القتال، و قد ذكر الهيثم بن عدي في كتابه الّذي صنفه في الخوارج فقال: قال ابن عباس:
فحدثني محمد بن المنتشر الهمدانيّ عن من شهد صفين و عن ناس من رءوس الخوارج ممن لا يتهم على كذب أن عمار بن ياسر كره ذلك و أبى و قال في على بعض ما أكره ذكره، ثم قال: من رائح إلى اللَّه قبل أن يبتغى غير اللَّه حكما؟ فحمل فقاتل حتى قتل رحمة اللَّه عليه. و كان ممن دعا إلى ذلك سادات الشاميين عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قام في أهل العراق فدعاهم إلى الموادعة و الكف و ترك القتال و الائتمار بما في القرآن، و ذلك عن أمر معاوية له بذلك رضى اللَّه عنهما، و كان ممن أشار على على بالقبول و الدخول في ذلك الأشعث بن قيس الكندي رضى اللَّه عنه،
فروى أبو مخنف من وجه آخر أن عليا لما بعث إلى الأشتر قال: قل له إنه ليس هذه ساعة ينبغي أن لا تزيلني عن موقفي فيها، إني قد رجوت أن يفتح اللَّه على، فلا تعجلني،
فرجع الرسول- و هو يزيد بن هانئ- إلى على فأخبره عن الأشتر بما قال، و صمم الأشتر على القتال لينتهز الفرصة، فارتفع الهرج و علت الأصوات
فقال أولئك القوم لعلى: و اللَّه ما نراك إلا أمرته أن يقاتل، فقال: أ رأيتموني ساررته؟ أ لم أبعث إليه جهرة و أنتم تسمعون؟ فقالوا: فابعث إليه فليأتك و إلا و اللَّه اعتزلناك، فقال على لزيد بن هانئ:
ويحك! قل له أقبل إلى فان الفتنة قد وقعت،
فلما رجع إليه يزيد بن هانئ فأبلغه عن أمير المؤمنين أنه ينصرف عن القتال و يقبل إليه، جعل يتململ و يقول: ويحك ألا ترى إلى ما نحن فيه من النصر و لم يبق إلا القليل؟ فقلت: أيهما أحب إليك أن تقبل أو يقتل أمير المؤمنين كما قتل عثمان؟
ثم ما ذا يغنى عنك نصرتك هاهنا؟ قال: فأقبل الأشتر إلى على و ترك القتال فقال: يا أهل العراق! يا أهل الذل و الوهن أ حين علوتم القوم و ظنوا أنكم لهم قاهرون رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها، و قد و اللَّه تركوا ما أمر اللَّه به فيها، و سنة من أنزلت عليه، فلا تجيبوهم، أمهلونى فانى قد أحسست بالفتح، قالوا: لا! قال: أمهلونى عدو الفرس فانى قد طمعت في النصر، قالوا إذا ندخل معك في خطيئتك، ثم أخذ الأشتر يناظر أولئك القراء الداعين إلى إجابة أهل الشام