البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٦ - و هذا مقتل عمار بن ياسر رضى اللَّه عنه مع أمير المؤمنين على بن أبى طالب قتله أهل الشام
ينوء و يغشاه شآبيب من دم* * * كما لاح من جيب القميص الكفائف
و قد صبرت حول ابن عم محمد* * * لدى الموت أرباب المناقب شارف
فما برحوا حتى رأى اللَّه صبرهم* * * و حتى رقت فوق الأكف المصاحف
و زاد غيره فيها
معاوي لا تنهض بغير وثيقة* * * فإنك بعد اليوم بالذل عارف
و قد أجابه أبو جهم الأسدي بقصيدة فيها أنواع من الهجاء تركناها قصدا.
و هذا مقتل عمار بن ياسر رضى اللَّه عنه مع أمير المؤمنين على بن أبى طالب قتله أهل الشام
[و بان و ظهر بذلك سرّ ما أخبر به الرسول (صلى اللَّه عليه و سلم) من أنه تقتله الفئة الباغية و بان بذلك أن عليا محق و أن معاوية باغ، و ما في ذلك من دلائل النبوة] [١]، ذكر ابن جرير من طريق أبى مخنف حدثني مالك بن أعين الجهنيّ عن زيد بن وهب الجهنيّ أن عمارا قال يومئذ: من يبتغى رضوان ربه و لا يلوى إلى مال و لا ولد، قال: فأتته عصابة من الناس فقال: أيها الناس اقصدوا بنا نحو هؤلاء القوم الذين يبتغون دم عثمان و يزعمون أنه قتل مظلوما و اللَّه ما قصدهم الأخذ بدمه و لا الأخذ بثأره، و لكن القوم ذاقوا الدنيا و استحلوها و استمروا الآخرة فقلوها، و علموا أن الحق إذا لزمهم حال بينهم و بين ما يتمرغون فيه من دنياهم و شهواتهم، و لم يكن للقوم سابقة في الإسلام يستحقون بها [طاعة الناس لهم و لا الولاية عليهم و لا تمكنت من قلوبهم خشية اللَّه التي تمنع من تمكنت من قلبه عن نيل الشهوات، و تعقله عن إرادة الدنيا و طلب العلو فيها، و تحمله على اتباع الحق و الميل إلى أهله] [٢] فخدعوا أتباعهم بقولهم إمامنا قتل مظلوما، ليكونوا بذلك جبابرة ملوكا، و تلك مكيدة بلغوا بها ما ترون، و لو لا ذلك ما تبعهم من الناس رجلان و لكانوا أذل و أخس و أقلّ، و لكن قول الباطل له حلاوة في أسماع الغافلين، فسيروا إلى اللَّه سيرا جميلا، و اذكروا ذكرا كثيرا ثم تقدم فلقيه عمرو بن العاص و عبيد اللَّه بن عمر فلامهما و أنبهما و وعظهما، و ذكروه من كلامه لهما ما فيه غلظة فاللَّه أعلم.
و قال الامام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن عمرو بن مرة سمعت عبد اللَّه بن سلمة يقول:
رأيت عمارا يوم صفين شيخا كبيرا آدم طوالا أخذ الحربة بيده و يده ترعد، فقال: و الّذي نفسي بيده لقد قاتلت بهذه الراية مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ثلاث مرات و هذه الرابعة، و الّذي نفسي بيده لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعرفت أن مصلحينا على الحق، و أنهم على الضلالة. و قال الامام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة و حجاج حدثني شعبة سمعت قتادة يحدث عن أبى نضرة قال حجاج سمعت أبا نضرة عن قيس بن عباد قال: قلت لعمار بن ياسر أ رأيت قتالكم مع على رأيا
[ (١- ٢)] سقط من النسخة المصرية.