البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٥ - ثم دخلت سنة سبع و ثلاثين
و إعطائي على المكروه مالي* * * و ضربي هامة الرجل السميح
و قولي كلما جشأت و جاشت* * * مكانك تحمدي أو تسريحى
قال: فهذا الّذي ثبتني في ذلك الموقف. و العجب أن ابن ديزيل روى في كتابه أن أهل العراق حملوا حملة واحدة، فلم يبق لأهل الشام صف إلا أزالوه حتى أفضوا إلى معاوية فدعا بفرسه لينجو عليه، قال معاوية: فلما وضعت رجلي في الركاب تمثلت بأبيات عمرو بن الاطنابة:
أبت لي عفتي و أبى بلائي* * * و أخذى الحمل بالثمن الربيح
و إعطائي على المكروه مالي* * * و ضربي هامة البطل المشيح
و قولي كلما جشأت و جاشت* * * مكانك تحمدي أو تستريحي
قال: فثبت و نظر معاوية إلى عمرو بن العاص فقال: اليوم صبر و غدا فخر، فقال له عمرو: صدقت قال معاوية فأصبت خير الدنيا و أنا أرجو أن أصيب خير الآخرة، و رواه محمد بن إسحاق عن عبد اللَّه بن أبى بكر عن عبد الرحمن بن حاطب عن معاوية، و بعث معاوية إلى خالد بن المعتمر و هو أمير الخيالة لعلى فقال له: اتبعنى على ما أنت عليه و لك إمرة العراق، فطمع فيه، فلما ولى معاوية ولاه العراق فلم يصل إليها خالد (رحمه اللَّه)، ثم إن عليا لما رأى الميمنة قد اجتمعت رجع إلى الناس فأنب بعضهم و عذر بعضهم و حرض الناس و ثبتهم ثم تراجع أهل العراق فاجتمع شملهم و دارت رحى الحرب بينهم و جالوا في الشاميين و صالوا، و تبارز الشجعان فقتل خلق كثير من الأعيان من الفريقين ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. و قيل ممن قتل في هذا اليوم عبيد اللَّه بن عمر بن الخطاب من الشاميين، و اختلفوا فيمن قتله من العراقيين، و قد ذكر إبراهيم بن الحسين بن ديزيل أن عبيد اللَّه لما خرج يومئذ أميرا على الحرب أحضر امرأتيه أسماء بنت عطارد بن حاجب التميمي و بحرية بنت هانئ بن قبيصة الشيباني- فوقفتا وراءه في راحلتين لينظرا إلى قتاله و شجاعته و قوته، فواجهته من جيش العراقيين ربيعة الكوفة و عليهم زياد بن حفصة التميمي، فشدوا عليه شدة رجل واحد فقتلوه بعد ما انهزم عنه أصحابه، و نزلت ربيعة فضربوا لأميرهم خيمة فبقي طنب منها لم يجدوا له وتدا فشدوه برجل عبيد اللَّه، و جاءت امرأتاه يولولان حتى وقفتا عليه و بكتا عنده، و شفعت امرأته بحرية إلى الأمير فأطلقه لهما فاحتملتاه معهما في هودجهما و قتل معه أيضا ذو الكلاع، قال الشعبي: ففي مقتل عبيد اللَّه بن عمر يقول كعب بن جعل التغلبي
ألا إنما تبكى العيون لفارس* * * بصفين ولت خيله و هو واقف
تبدل من أسماء أسياف وائل* * * و كان فتى لو أخطأته المتالف
تركن عبيد اللَّه بالقاع ثاويا* * * تسيل دماه و العروق نوازف