البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٢ - ثم دخلت سنة سبع و ثلاثين
فلو شاء لعجل النقمة و كان منه التعسير حتى يكذب اللَّه الظالم، و يعلم الحق أين مصيره، و لكنه جعل الدنيا دار الأعمال، و جعل الآخرة عنده هي دار القرار لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَ يَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ألا و انكم لاقوا القوم غدا فأطيلوا الليلة القيام، و أكثروا تلاوة القرآن، و اسألوا اللَّه النصر و الصبر و القوة بالجد و الحزم و كونوا صادقين.
قال: فوثب الناس إلى سيوفهم و رماحهم و نبالهم يصلحونها قال: و مر بالناس و هم كذلك كعب بن جعل التغلبي فرأى ما يصفون فجعل يقول:
أصبحت الأمة في أمر عجب* * * و الملك مجموع غدا لمن غلب
فقلت قولا صادقا غير كذب* * * إن غدا تهلك أعلام العرب
قال: ثم أصبح على في جنوده قد عبأهم كما أراد، و ركب معاوية في جيشه قد عبأهم كما أراد، و قد أمر على كل قبيلة من أهل العراق أن تكفيه أختها من أهل الشام فتقاتل الناس قتالا عظيما لا يفر أحد من أحد و لا يغلب أحد أحدا، ثم تحاجزوا عند العشي، و أصبح على فصلى الفجر بغلس و باكر القتال، ثم استقبل أهل الشام فاستقبلوه بوجوههم،
فقال على فيما رواه ابن مخنف عن مالك بن أعين عن زيد بن وهب: اللَّهمّ رب السقف المحفوظ المكفوف الّذي جعلته سقفا لليل و النهار، و جعلت فيه مجرى الشمس و القمر و منازل النجوم، و جعلت فيه سبطا من الملائكة لا يسأمون العبادة، و رب الأرض التي جعلتها قرارا للأنام و الهوام و الأنعام، و ما لا يحصى مما نرى و ما لا نرى من خلقك العظيم، و رب الفلك التي تجرى في البحر بما ينفع الناس، و رب السحاب المسخر بين السماء و الأرض، و رب البحر المسجور المحيط بالعالم، و رب الجبال الرواسي التي جعلتها للأرض أوتادا و للخلق متاعا، إن أظهرتنا على عدونا فجنبنا البغي و الفساد و سددنا للحق، و إن أظهرتهم علينا فارزقني الشهادة و جنب بقية أصحابى من الفتنة.
ثم تقدم على و هو في القلب في أهل المدينة و على ميمنته يومئذ عبد اللَّه بن بديل، و على الميسرة، عبد اللَّه بن عباس، و على القراء عمار بن ياسر و قيس بن سعد، و الناس على راياتهم فزحف بهم إلى القوم، و أقبل معاوية- و قد بايعه أهل الشام على الموت- فتواقف الناس في موطن مهول و أمر عظيم، و حمل عبد اللَّه بن بديل أمير ميمنة على على ميسرة أهل الشام و عليها حبيب ابن مسلمة، فاضطره حتى ألجأه إلى القلب، و فيه معاوية، و قام عبد اللَّه بن بديل خطيبا في الناس يحرّضهم على القتال و يحثهم على الصبر و الجهاد، و حرض أمير المؤمنين على الناس على الصبر و الثبات و الجهاد، و حثهم على قتال أهل الشام، و قام كل أمير في أصحابه يحرضهم، و تلا عليهم آيات القتال من أماكن متفرقة من القرآن، فمن ذلك قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ ثم قال: قدموا المدارع و أخروا الحاسر و عضوا على الأضراس، فإنه أنكى للسيوف