البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦ - فصل فيما وقع بأرض العراق في هذه المدة من القتال
دمشق، و ضرب عليهم الجزية و الخراج على أراضيهم و كذلك فعل أبو الأعور السلمي بأهل طبرية سواء
فصل فيما وقع بأرض العراق في هذه المدة من القتال
و قد قدمنا أن المثنى بن حارثة لما سار خالد من العراق بمن صحبه إلى الشام و قد قيل إنه سار بتسعة آلاف، و قيل بثلاثة آلاف، و قيل بسبعمائة و قيل بأقل، إلا أنهم صناديد جيش العراق، فأقام المثنى بمن بقي فاستقل عددهم و خاف من سطوة الفرس لو لا اشتغالهم بتبديل ملوكهم و ملكاتهم، و استبطأ المثنى خبر الصديق فسار إلى المدينة فوجد الصديق في السياق، فأخبره بأمر العراق، فأوصى الصديق عمر أن يندب الناس لقتال أهل العراق. فلما مات الصديق و دفن ليلة الثلاثاء أصبح عمر فندب الناس و حثهم على قتال أهل العراق، و حرضهم و رغبهم في الثواب على ذلك، فلم يقم أحد لأن الناس كانوا يكرهون قتال الفرس لقوة سطوتهم، و شدة قتالهم. ثم ندبهم في اليوم الثاني و الثالث فلم يقم أحد و تكلم المثنى بن حارثة فأحسن، و أخبرهم بما فتح اللَّه تعالى على يدي خالد من معظم أرض العراق، و ما لهم لك من الأموال و الأملاك و الأمتعة و الزاد، فلم يقم أحد في اليوم الثالث فلما كان اليوم الرابع كان أول من انتدب من المسلمين أبو عبيد بن مسعود الثقفي ثم تتابع الناس في الاجابة، و أمر عمر طائفة من أهل المدينة و أمر على الجميع أبا عبيد هذا و لم يكن صحابيا، فقيل لعمر: هلا أمرت عليهم رجلا من الصحابة؟ فقال: إنما أومر أول من استجاب، إنكم إنما سبقتم الناس بنصرة هذا الدين، و إن هذا هو الّذي استجاب قبلكم. ثم دعاه فوصاه في خاصة نفسه بتقوى اللَّه و بمن معه من المسلمين خيرا، و أمره، أن يستشير أصحاب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، (و أن يستشير سليط بن قيس فإنه رجل باشر الحروب) [١] فسار المسلمون إلى أرض العراق (و هم سبعة آلاف رجل) [٢] و كتب عمر إلى أبى عبيدة أن يرسل من كان بالعراق ممن قدم مع خالد إلى العراق (فجهز عشرة آلاف عليهم هاشم ابن عتبة و أرسل عمر جرير بن عبد اللَّه البجلي في أربعة آلاف إلى العراق فقدم الكوفة ثم خرج منها فواقع هرقران المدار فقتله و انهزم جيشه و غرق أكثرهم في دجلة) [٣] فلما وصل الناس إلى العراق وجدوا الفرس مضطربين في ملكهم، و آخر ما استقر عليه أمرهم أن ملكوا عليهم «بوران» بنت كسرى بعد ما قتلوا التي كانت قبلها «أزرميدخت» و فوضت بوران أمر الملك عشر سنين إلى رجل منهم يقال له رستم بن فرخزاد على أن يقوم بأمر الحرب، ثم يصير الملك إلى آل كسرى فقبل ذلك. و كان رستم هذا منجما يعرف النجوم و علمها جيدا، فقيل له: ما حملك على هذا؟ يعنون و أنت تعلم أن هذا الأمر لا يتم لك فقال: الطمع و حب الشرف
[ (١، ٢، ٣)] نقص في النسخة المصرية.