البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٩ - ثم دخلت سنة سبع و ثلاثين
أن أدع مثل معاوية يحكم على الأمة و يشق عصاها، فرجعوا إلى معاوية فقال: ما بال من هاهنا من المهاجرين و الأنصار لم يدخلوا في هذا الأمر؟ فرجعوا فقال على: إنما هذا للبدرين دون غيرهم، و ليس على وجه الأرض بدري إلا و هو معى، و قد بايعنى و قد رضى، فلا يغرنكم من دينكم و أنفسكم،
قال: فأقاموا يتراسلون في ذلك شهر ربيع الآخر و جماديين و يقرعون في غبون ذلك القرعة بعد القرعة و يزحف بعضهم على بعض، و يحجر بينهم القراء، فلا يكون قتال قال: فقرعوا في ثلاثة أشهر خمسة و ثمانين قرعة. قال: و خرج أبو الدرداء و أبو أمامة فدخلا على معاوية فقالا له: يا معاوية على م تقاتل هذا الرجل؟ فو اللَّه إنه أقدم منك و من أبيك إسلاما، و أقرب منك إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أحق بهذا الأمر منك. فقال: أقاتله على دم عثمان و إنه آوى قتلته، فاذهبا إليه فقولا له فليقدنا من قتلة عثمان ثم أنا أول من بايعه من أهل الشام، فذهبا إلى على فقالا له ذلك فقال: هؤلاء الذين تريان فخرج خلق كثير فقالوا: كلنا قتلة عثمان فمن شاء فليرمنا. قال: فرجع أبو الدرداء و أبو أمامة فلم يشهدا لهم حربا. قال عمرو بن سعد باسناده حتى إذا كان رجب و خشي معاوية أن تبايع القراء كلهم عليا كتب في سهم من عبد اللَّه الناصح: يا معشر أهل العراق! إن معاوية يريد أن يفجر عليكم الفرات ليغرقكم فخذوا حذركم، و رمى به في جيش أهل العراق. فأخذه الناس فقرءوه و تحدثوا به،
و ذكروه لعلى فقال: إن هذا ما لا يكون و لا يقع. و شاع ذلك، و بعث معاوية مائتي فاعل يحفرون في جنب الفرات و بلغ الناس ذلك فتشوش أهل العراق من ذلك و فزعوا إلى على فقال: ويحكم! إنه يريد خديعتكم ليزيلكم عن مكانكم هذا و ينزل فيه لأنه خير من مكانه.
فقالوا: لا بد من أن نخلي عن هذا الموضع فارتحلوا منه، و جاء معاوية فنزل بجيشه- و كان على آخر من ارتحل- فنزل بهم و هو يقول:
فلو أنى أطعت عصمت قومي* * * إلى ركن اليمامة أو شآم
و لكنى إذا أبرمت أمرا* * * يخالفه الطغام بنو الطغام
قال: فأقاموا إلى شهر ذي الحجة ثم شرعوا في المقاتلة فجعل على يؤمر على الحرب كل يوم رجلا و أكثر من كان يؤمر الأشتر. و كذلك معاوية يؤمر كل يوم أميرا فاقتتلوا شهر ذي الحجة بكماله، و ربما اقتتلوا في بعض الأيام مرتين قال ابن جرير (رحمه اللَّه): ثم لم تزل الرسل تتردد بين على و معاوية و الناس كافّون عن القتال حتى انسلخ المحرم من هذه السنة و لم يقع بينهم صلح، فأمر على ابن أبى طالب يزيد بن الحارث الجشمي فنادى أهل الشام عند غروب الشمس ألا إن أمير المؤمنين يقول لكم: إني قد استأنيتكم لتراجعوا الحق، و أقمت عليكم الحجة فلم تجيبوا، و إني قد نبذت إليكم على سواء إن اللَّه لا يحب الخائنين. ففزع أهل الشام إلى أمرائهم فأعلموهم بما سمعوا المنادي