البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٢ - فصل في وقعة صفين بين أهل العراق من أصحاب على، و بين أهل الشام من أصحاب معاوية
عدو- و كان معاوية حازما أيضا- فكتب إليه بما صمم عليه: إني مع على إذ هو أحق بالأمر منك فلما بلغ ذلك معاوية بن أبى سفيان يئس منه و رجع ثم أشاع بعض أهل الشام أن قيس بن سعد يكاتبهم في الباطن و يمالئهم على أهل العراق، و روى ابن جرير أنه جاء من جهته كتاب مزور بمبايعته معاوية و اللَّه أعلم بصحته. و لما بلغ ذلك عليا فاتهمه و كتب له أن يغزو أهل خربتا الذين تخلفوا عن البيعة، فبعث إليه يعتذر إليه بأنهم عدد كثير، و هم وجوه الناس. و كتب إليه: إن كنت إنما أمرتنى بهذا لتختبرنى لأنك اتهمتنى، فابعث على عملك بمصر غيري، فبعث على على إمرة مصر الأشتر النخعي، فسار إليها الأشتر النخعي فلما بلغ القلزم شرب شربة من عسل فكان فيها حتفه فبلغ ذلك أهل الشام فقالوا: إن للَّه جندا من عسل، فلما بلغ عليا مهلك الأشتر بعث محمد بن أبى بكر على إمرة مصر، و قد قيل و هو الأصح إن عليا ولى محمد بن أبى بكر بعد قيس بن سعد، فارتحل قيس إلى المدينة، ثم ركب هو و سهل بن حنيف إلى على فاعتذر إليه قيس بن سعد فعذره على، و شهدا معه صفين كما سنذكره، فلم يزل محمد بن أبى بكر بمصر قائم الأمر مهيبا بالديار المصرية، حتى كانت وقعة صفين، و بلغ أهل مصر خبر معاوية و من معه من أهل الشام على قتال أهل العراق، و صاروا إلى التحكيم فطمع أهل مصر في محمد بن أبى بكر و اجترأوا عليه و بارزوه بالعداوة فكان من أمره ما سنذكره و كان عمرو بن العاص قد بايع معاوية على القيام بطلب دم عثمان، و كان قد خرج من المدينة حين أرادوا حصره لئلا يشهد مهلكه، مع أنه كان متعتبا عليه بسبب عزله له عن ديار مصر و توليته بدله عليها عبد اللَّه بن سعد بن أبى سرح، فتسرح عن المدينة على تغضب فنزل قريبا من الأردن، فلما قتل عثمان صار إلى معاوية فبايعه على ما ذكرنا.
فصل في وقعة صفين [بين أهل العراق من أصحاب على، و بين أهل الشام من أصحاب معاوية
قد تقدم ما رواه الامام أحمد عن إسماعيل بن علية عن أيوب عن محمد بن سيرين. أنه قال:
«هاجت الفتنة و أصحاب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عشرات الألوف فلم يحضرها منهم مائة، بل لم يبلغوا ثلاثين» و قال الامام أحمد: حدثنا أمية بن خلد قال لشعبة إن أبا شيبة روى عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبى ليلى قال: «شهد صفين من أهل بدر سبعون رجلا، فقال: كذب أبو شيبة، و اللَّه لقد ذاكرنا الحكم في ذلك فما وجدناه شهد صفين من أهل بدر غير خزيمة بن ثابت؟ و قد قيل إنه شهدها من أهل بدر سهل بن حنيف، و كذا أبو أيوب الأنصاري. قاله شيخنا العلامة ابن تيمية في