البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥١ - و في هذه السنة أعنى سنة ست و ثلاثين
و المسلمين، سلام عليكم فانى أحمد اللَّه كثيرا الّذي لا إله إلا هو، أما بعد فان اللَّه بحسن صنيعه و تقديره و تدبيره اختار الإسلام دينا لنفسه و ملائكته و رسله، و بعث به الرسل إلى عباده و خص به من انتخب من خلقه، فكان مما أكرم اللَّه به هذه الأمة، و خصهم به من الفضيلة أن بعث محمدا (صلى اللَّه عليه و سلم) يعلمهم الكتاب و الحكمة و الفرائض و السنة، لكيما يهتدوا، و جمعهم لكيما يتفرقوا، و زكاهم لكي يتطهروا، و وفقهم لكيلا يجوروا. فلما قضى من ذلك ما عليه قبضه اللَّه إليه، (صلوات اللَّه و سلامه عليه) و بركاته و رحمته، ثم إن المسلمين استخلفوا بعده أميرين صالحين، عملا بالكتاب، و أحسنا السيرة و لم يعدوا السنة ثم توفاهما اللَّه فرحمهما اللَّه، ثم ولى بعدهما وال أحدث أحداثا، فوجدت الأمة عليه مقالا فقالوا، ثم نقموا عليه فغيروا، ثم جاءوني فبايعوني فأستهدى اللَّه بهداه و أستعينه على التقوى، ألا و إن لكم علينا العمل بكتاب اللَّه و سنة رسول اللَّه، و القيام عليكم بحقه و النصح لكم بالغيب و اللَّه المستعان و حسبنا اللَّه و نعم الوكيل، و قد بعثت إليكم قيس بن سعد بن عبادة فوازروه و كانفوه و أعينوه على الحق، و قد أمرته بالإحسان إني محسنكم و الشدة على مريبكم و الرّفق بعوامكم و خواصكم، و هو ممن أرضى هديه و أرجو صلاحه و نصيحته أسأل اللَّه لنا و لكم عملا زاكيا و ثوابا جزيلا و رحمة واسعة و السلام عليكم و رحمة اللَّه و بركاته.
و كتب عبد اللَّه بن أبى رافع في صفر سنة ست و ثلاثين قال: ثم قام قيس بن سعد فخطب الناس و دعاهم إلى البيعة لعلى، فقام الناس فبايعوه، و استقامت له طاعة بلاد مصر سوى قرية منها يقال لها خربتا، فيها ناس قد أعظموا قتل عثمان- و كانوا سادة الناس و وجوههم و كانوا في نحو من عشرة آلاف و عليهم رجل يقال له يزيد بن الحارث المدلجي- و بعثوا إلى قيس بن سعد فوادعهم، و كذلك مسلمة بن مدلج الأنصاري تأخر عن البيعة فتركه قيس بن سعد و وادعه، ثم كتب معاوية ابن أبى سفيان- و قد استوثق له أمر الشام بحذافيره- إلى أقصى بلاد الروم و السواحل و جزيرة قبرص أيضا تحت حكمه و بعض بلاد الجزيرة كالرها و حران و قرقيسيا و غيرها، و قد ضوى إليها الذين هربوا يوم الجمل من العثمانية، و قد أراد الأشتر انتزاع هذه البلاد من يد نواب معاوية، فبعث إليه عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ففر منه الأشتر، و استقر أمر معاوية على تلك البلاد فكتب إلى قيس بن سعد يدعوه إلى القيام بطلب دم عثمان و أن يكون مؤازرا له على ما هو بصدده من القيام في ذلك، و وعده أن يكون نائبة على العراقين إذا تم له الأمر ما دام سلطانا فلما بلغه الكتاب- و كان قيس رجلا حازما- لم يخالفه و لم يوافقه بل بعث يلاطف معه الأمر و ذلك لبعده عن على و قربه من بلاد الشام و ما مع معاوية من الجنود، فسالمه قيس و تاركه و لم يواقعه على ما دعاه إليه و لا وافقه عليه:
فكتب إليه معاوية: إنه لا يسعك معى تسويفك بى و خديعتك لي و لا بد أن أعلم أنك سلم أو