البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥ - وقعة فحل
عقبة السلمية مخمرة بالحرير فثار إليهم المسلمون فالتقوا فيما بين بيت لهيا و العقبة التي أقبلوا منها، فهزموهم و طردوهم إلى أبواب حمص، فلما رأى أهل حمص ذلك ظنوا أنهم قد فتحوا دمشق فقال لهم أهل حمص إنا نصالحكم على ما صالحتم عليه أهل دمشق ففعلوا.
و قال خليفة بن خياط حدثني عبد اللَّه بن المغيرة عن أبيه قال افتتح شرحبيل بن حسنة الأردن كلها عنوة ما خلا طبرية فان أهلها صالحوه. و هكذا قال ابن الكلبي. و قالا بعث أبو عبيدة خالدا فغلب على ارض البقاع و صالحه أهل بعلبكّ و كتب لهم كتابا. و قال ابن المغيرة عن أبيه و صالحهم على أنصاف منازلهم و كنائسهم، و وضع الخراج. و قال ابن إسحاق و غيره و في سنة أربع عشرة فتحت حمص و بعلبكّ صلحا على يدي أبى عبيدة في ذي القعدة قال خليفة و يقال في سنة خمس عشرة
وقعة فحل [١]
و قد ذكرها كثير من العلماء السير قبل فتح دمشق و إنما ذكرها الامام أبو جعفر بن جرير بعد فتح دمشق و تبع في ذلك سياق سيف بن عمر فيما رواه عن أبى عثمان يزيد بن أسيد الغساني و أبى حارثة القيسي قالا: خلف الناس يزيد بن أبى سفيان في خيله في دمشق و سار نحو فحل و على الناس الذين هم بالغور شرحبيل بن حسنة و سار أبو عبيدة و قد جعل على المقدمة خالد بن الوليد و أبو عبيدة على الميمنة و عمرو بن العاص على الميسرة، و على الخيل ضرار بن الأزور، و على الرجالة عياض بن غنم فوصلوا إلى فحل و هي بلدة بالغور و قد انحاز الروم إلى بسان، و أرسلوا مياه تلك الأراضي على ما لك من الأراضي فحال بينهم و بين المسلمين، و أرسل المسلمون إلى عمر يخبرونه بما هم فيه من مصابرة عدوهم و ما صنعه الروم من تلك المكيدة، إلا أن المسلمين في عيش رغيد و مدد كبير، و هم على أهبة من أمرهم. و أمير هذا الحرب شرحبيل بن حسنة و هو لا يبيت و لا يصبح إلا على تعبئة.
و ظن الروم أن المسلمين على غرة، فركبوا في بعض الليالي ليبيتوهم، و على الروم سقلاب بن مخراق، فهجموا على المسلمين فنهضوا إليهم نهضة رجل واحد لأنهم على أهبة دائما، فقاتلوهم حتى الصباح و ذلك اليوم بكماله إلى الليل. فلما أظلم الليل فر الروم و قتل أميرهم سقلاب و ركب المسلمون أكتافهم و أسلمتهم هزيمتهم إلى ذلك الوحل الّذي كانوا قد كادوا به المسلمين فغرقهم اللَّه فيه، و قتل منهم المسلمين بأطراف الرماح ما قارب الثمانين ألفا لم ينج منهم إلا الشريد، و غنموا منهم شيئا كثيرا و ما لا جزيلا. و انصرف أبو عبيدة و خالد بن معهما من الجيوش نحو حمص كما أمر أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب. و استخلف أبو عبيدة على الأردن شرحبيل بن حسنة، فسار شرحبيل و معه عمرو بن العاص فحاصر بيسان فخرجوا إليه فقتل منهم مقتلة عظيمة، ثم صالحوه على مثل ما صالحت عليه
[١] بكسر الفاء. و قيل و الحاء. و الصحيح تسكينها.