البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤ - فصل
خالد من العراق إلى الشام كما تقدم و هذا غريب جدا فان الّذي لا يشك فيه أن الصديق هو الّذي بعث أبا عبيدة و غيره من الأمراء إلى الشام، و هو الّذي كتب إلى خالد بن الوليد أن يقدم من العراق إلى الشام ليكون مددا لمن به و أميرا عليهم، ففتح اللَّه تعالى عليه و على يديه جميع الشام على ما سنذكره إن شاء اللَّه تعالى.
و قال محمد بن عائذ: قال الوليد بن مسلم: أخبرنى صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير أن المسلمين لما افتتحوا مدينة دمشق بعثوا أبا عبيدة بن الجراح وافدا إلى أبى بكر بشيرا بالفتح فقدم المدينة فوجد أبا بكر قد توفى و استخلف عمر بن الخطاب فأعظم أن يتأمر أحد من الصحابة عليه فولاه جماعة الناس فقدم عليهم فقالوا: مرحبا بمن بعثناه بريدا فقدم علينا أميرا، و قد روى الليث و ابن لهيعة و حيوة بن شريح و مفضل بن فضالة و عمر بن الحارث و غير واحد عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد اللَّه بن الحكم عن على بن رباح عن عقبة بن عامر أنه بعثه أبو عبيدة بريدا بفتح دمشق قال: فقدمت على عمر يوم الجمعة فقال لي: منذ كم لم تنزع خفيك؟ فقلت من يوم الجمعة و هذا يوم الجمعة. فقال: أصبت السنة.
قال الليث: و به نأخذ، يعنى أن المسح على الخفين للمسافر لا يتأقت، بل له أن يمسح عليهما ما شاء، و إليه ذهب الشافعيّ في القديم. و قد روى أحمد و أبو داود عن أبى بن عمارة مرفوعا مثل هذا، و الجمهور على ما رواه مسلم عن على في تأقيت المسح للمسافر ثلاثة أيام و لياليهن، و للمقيم يوم و ليلة. و من الناس من فصل بين البريد و من في معناه و غيره، فقال في الأول لا يتأقت، و فيما عداه يتأقت لحديث عقبة و حديث على و اللَّه أعلم.
فصل
ثم إن أبا عبيدة بعث خالد بن الوليد إلى البقاع ففتحه بالسيف. و بعث سرية فالتقوا مع الروم بعين ميسنون، و على الروم رجل يقال له «سنان» تحدر على المسلمين من عقبة بيروت فقتل من المسلمين يومئذ جماعة من الشهداء فكانوا يسمون «عين ميسنون» عين الشهداء. و استخلف أبو عبيدة على دمشق يزيد بن أبى سفيان كما وعده بها الصديق. و بعث يزيد دحية بن خليفة إلى تدمر في سرية ليمهدوا أمرها. و بعث أبا الزهراء القشيري إلى البثينة و حوران فصالح أهلها.
قال أبو عبيد القاسم بن سلام (رحمه اللَّه): افتتح خالد دمشق صلحا، و هكذا سائر مدن الشام كانت صلحا دون أرضيها. فعلى يدي يزيد بن أبى سفيان و شرحبيل بن حسنة و أبى عبيدة. و قال الوليد بن مسلم: أخبرنى غير واحد من شيوخ دمشق بينما هم على حصار دمشق إذ أقبلت خيل من