البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٣٤ - ذكر مسير أمير المؤمنين على بن أبى طالب من المدينة إلى البصرة بدلا من مسيره إلى الشام
نحن عليّ حنين الجارية، و ما الّذي نهيتني عنه فعصيتك؟ فقال: أ لم آمرك قبل مقتل عثمان أن تخرج منها لئلا يقتل و أنت بها، فيقول قائل أو يتحدث متحدث؟ أ لم آمرك أن لا تبايع الناس بعد قتل عثمان حتى يبعث إليك أهل كل مصر ببيعتهم؟ و أمرتك حين خرجت هذه المرأة و هذان الرجلان أن تجلس في بيتك حتى يصطلحوا فعصيتني في ذلك كله؟ فقال له على: أما قولك أن أخرج قبل مقتل عثمان فلقد أحيط بنا كما أحيط به، و أما مبايعتي قبل مجيء بيعة الأمصار فكرهت أن يضيع هذا الأمر، و أما أن أجلس و قد ذهب هؤلاء إلى ما ذهبوا إليه. فتريد منى أن أكون كالضبع التي يحاط بها، و يقال ليست هاهنا، حتى يشق عرقوبها فتخرج، فإذا لم انظر فيما يلزمني في هذا الأمر و يعنيني، فمن ينظر فيه؟ فكف عنى يا بنى، و لما انتهى إليه خبر ما صنع القوم بالبصرة من الأمر الّذي قدمنا كتب إلى أهل الكوفة مع محمد بن أبى بكر، و محمد بن جعفر، إني قد اخترتكم على أهل الأمصار، فرغبت إليكم و فرغت لما حدث، فكونوا لدين اللَّه أعوانا و أنصارا، و انهضوا إلينا فالاصلاح نريد لنعود هذه الأمة إخوانا، فمضيا، و أرسل إلى المدينة فأخذ ما أراد من سلاح و دواب، و قام في الناس خطيبا فقال: إن اللَّه أعزنا بالإسلام و رفعنا به، و جعلنا به إخوانا، بعد ذلة و قلة و تباغض و تباعد، فجرى الناس على ذلك ما شاء اللَّه، الإسلام دينهم، و الحق قائم بينهم، و الكتاب إمامهم، حتى أصيب هذا الرجل بأيدي هؤلاء القوم الذين نزغهم الشيطان لينزغ بين هذه الأمة، ألا و إن هذه الأمة لا يد مفترقة كما افترقت الأمم قبلها، فنعوذ باللَّه من شر ما هو كائن. ثم عاد ثانية فقال: إنه لا بد مما هو كائن أن يكون، ألا و إن هذه الأمة ستفترق على ثلاث و سبعين فرقة، شرها فرقة تحبني و لا تعمل بعملي، و قد أدركتم و رأيتم، فالزموا دينكم، و اهتدوا بهديى فإنه هدى نبيكم، و اتبعوا سنته، و أعرضوا عما أشكل عليكم، حتى تعرضوه على الكتاب، فما عرفه القرآن فالزموه، و ما أنكره فردوه، و ارضوا باللَّه ربا، و بالإسلام دينا، و بمحمد نبيا، و بالقرآن حكما و إماما. قال فلما عزم على المسير من الرَّبَذَة قام إليه ابن أبى رفاعة بن رافع، فقال: يا أمير المؤمنين أي شيء تريد؟ و أين تذهب بنا؟ فقال: أما الّذي نريد و ننوى فالاصلاح، و إن قبلوا منا و أجابوا إليه، قال: فان لم يجيبوا إليه؟
قال: نعدهم بغدرهم و نعطيهم الحق و نصبر. قال: فان لم يرضوا؟ قال: ندعهم ما تركونا، قال: فان لم يتركونا؟ قال: امتنعنا منهم، قال: فنعم إذا. فقام إليه الحجاج بن غزية الأنصاري فقال: لأرضينك بالفعل كما أرضيتنى بالقول، و اللَّه لينصرني اللَّه كما سمانا أنصارا. قال: و أتت جماعة من طيئ و على بالربذة، فقيل له: هؤلاء جماعة جاءوا من طيئ منهم من يريد الخروج معك و منهم من يريد السلام عليك، فقال: جزى اللَّه كلا خيرا وَ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً قالوا: فسار على من الرَّبَذَة على تعبئته و هو راكب ناقة حمراء يقود فرسا كميتا فلما كان بفيد جاءه جماعة من أسد