البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٢٧ - ذكر بيعة على رضى اللَّه عنه بالخلافة
و إذا رأيتم الخير فخذوا به و إذا رأيتم الشرّ فدعوه وَ اذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ الآية، فلما فرغ من خطبته قال المصريون:
خذها إليك و احذرن أبا الحسن* * * إنا نمرّ الأمر إمرار الرسن
صولة آساد كآساد السفن* * * بمشرفيات كغدران اللبن
و نطعن الملك بلين كالشطن* * * حتى يمرنّ على غير عنن
فقال على مجيبا لهم!
إني عجزت عجزة لا أعتذر* * * سوف أكيس بعدها و أستمر
أرفع من ذيلي ما كنت أجر* * * و أجمع الأمر الشتيت المنتشر
إن لم يشاغبنى العجول المنتصر* * * أو يتركوني و السلاح يبتدر
و كان على الكوفة أبو موسى الأشعري على الصلاة و على الحرب القعقاع بن عمرو و على الخراج جابر بن فلان المزني، و على البصرة عبد اللَّه بن عامر، و على مصر عبد اللَّه بن سعد بن أبى سرح، و قد تغلب عليه محمد بن أبى حذيفة، و على الشام معاوية بن أبى سفيان، و نوابه على حمص عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، و على قنسرين حبيب بن سلمة، و على الأردن أبو الأعور، و على فلسطين حكيم بن علقمة، و على أذربيجان الأشعث بن قيس، و على قرقيسيا جرير بن عبد اللَّه البجلي، و على حلوان عتيبة بن النهاس، و على قيسارية مالك بن حبيب، و على همذان حبيش. هذا ما ذكره ابن جرير من ثواب عثمان الذين توفى و هم نواب الأمصار، و كان على بيت المال عقبة بن عمرو، و على قضاء المدينة زيد بن ثابت، و لما قتل عثمان بن عفان خرج النعمان بن بشير و معه قميص عثمان مضمخ بدمه، و معه أصابع نائلة التي أصيبت حين حاجفت عنه بيدها، فقطعت مع بعض الكف فورد به على معاوية بالشام، فوضعه معاوية على المنبر ليراه الناس، و علق الأصابع في كم القميص، و ندب الناس إلى الأخذ بهذا الثأر و الدم و صاحبه، فتباكى الناس حول المنبر، و جعل القميص يرفع تارة و يوضع تارة، و الناس يتباكون حوله سنة، و يحث بعضهم بعضا على الأخذ بثأره، و اعتزل أكثر الناس النساء في هذا العام، و قام في الناس معاوية و جماعة من الصحابة معه يحرضون الناس على المطالبة بدم عثمان، ممن قتله من أولئك الخوارج: منهم عبادة بن الصامت، و أبو الدرداء، و أبو أمامة، و عمرو بن عنبسة و غيرهم من الصحابة، و من التابعين: شريك بن حباشة، و أبو مسلم الخولانيّ، و عبد الرحمن بن غنم، و غيرهم من التابعين. و لما استقر أمر بيعة على دخل عليه طلحة و الزبير و رءوس الصحابة رضى اللَّه عنهم، و طلبوا منه إقامة الحدود، و الأخذ بدم عثمان.
فاعتذر إليهم بأن هؤلاء لهم مدد و أعوان، و أنه لا يمكنه ذلك يومه هذا، فطلب منه الزبير أن يوليه